والمعنى:يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا (زحفًا) أي متدانين متقاربين متواجهين ; فلا تفروا عنهم , إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب , حيث تختارون موقعًا أحسن , أو تدبرون خطة أحكم ; أو أن يكون ذلك انضمامًا إلى فئة أخرى من المسلمين , أو إلى قواعد المسلمين , لتعاودوا القتال . . وأن من تولى , وأعطى العدو دبره يوم الزحف فقد استحق ذلك العقاب:غضبًا من الله ومأوى في جهنم . .
وقد وردت بعض الأقوال في اعتبار هذا الحكم خاصًا بأهل بدر , أو بالقتال الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاضره . ولكن الجمهور على أنها عامة , وأن التولي يوم الزحف كبيرة من السبع الموبقات .
إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخا ثابتا لا تهزمه في الأرض قوة , وهو موصول بقوة الله الغالب على أمره , القاهر فوق عباده . . وإذا جاز أن تنال هذا القلب هزة - وهو يواجه الخطر - فإن هذه الهزة لا يجوز أنتبلغ أن تكون هزيمة وفرارا . والآجال بيد الله , فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة . وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها . فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا . فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة . ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها . ثم إنه إلى الله إن كان حيًا , وإلى الله إن كتبت له الشهادة . فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق الله ورسوله . . ومن ثم هذا الحكم القاطع: (ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله , ومأواه جهنم وبئس المصير) .
ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته ; وما فيه من إيماءات عجيبة: (فلا تولوهم الأدبار) . . (ومن يولهم يومئذ دبره) . . فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية , مع التقبيح والتشنيع , والتعريض بإعطاء الأدبار للأعداء ! . . ثم: (فقد باء بغضب من الله) . . فالمهزوم مولٍّ ومعه (غضب من الله) يذهب به إلى مأواه: (ومأواه جهنم وبئس المصير) . .
وهكذا تشترك ظلال التعبير مع دلالته في رسم الجو العام ; وتثير في الوجدان شعور الاستقباح والاستنكار للتولي يوم الزحف والفرار .
ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف ; ليكشف لهم عن يد الله وهي تدير المعركة من ورائهم ; وتقتل لهم أعداءهم , وترمي لهم وتصيب . . . وهم ينالون أجر البلاء لأن الله يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء , ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه: (فلم تقتلوهم , ولكن الله قتلهم , وما رميت - إذ رميت - ولكن الله رمى . وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا . إن الله سميع عليم) . .
وتذهب الروايات المأثورة إلى تفسير الرمي هنا بأنه رمية الحصى التي حثاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجوه الكفار , وهو يقول:"شاهت الوجوه . شاهت الوجوه"فأصابت وجوه المشركين ممن كتب عليهم القتل في علم الله . .