فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعا واتباعا , فهم ولا شك سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرقهم , وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال .
ومن ثم هذا التحذير الحاسم المخيف: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) . .
وما كان يفزع المسلم - حينذاك - ما يفزعه أن يرى نفسه منتكسا إلى الكفر بعد الإيمان . وراجعا إلى النار بعد نجاته منها إلى الجنة . وهذا شأن المسلم الحق في كل زمان ومن ثم يكون هذا التحذير بهذه الصورة سوطا يلهب الضمير , ويوقظه بشدة لصوت النذير . . ومع هذا فإن السياق يتابع التحذير والتذكير . .
فيا له من منكر أن يكفر الذين آمنوا بعد إيمانهم , وآيات الله تتلى عليهم , ورسوله فيهم . ودواعي الإيمان حاضرة , والدعوة إلى الإيمان قائمة , ومفرق الطريق بين الكفر والإيمان مسلط عليه هذا النور: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ?)
أجل . إنها لكبيرة أن يكفر المؤمن في ظل هذه الظروف المعينة على الإيمان . .
وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استوفى أجله , واختار الرفيق الأعلى , فإن آيات الله باقية , وهدى رسوله - صلى الله عليه وسلم - باق . .
ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون , وطريق العصمة بين , ولواء العصمة مرفوع: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) . .
أجل . إنه الاعتصام بالله يعصم . والله سبحانه باق . وهو - سبحانه - الحي القيوم .
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتشدد مع أصحابه - رضوان الله عليهم - في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج , بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة , كشؤون الزرع , وخطط القتال , وأمثالها من المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي , ولا بالنظام الاجتماعي , ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان . .
وفرق بين هذا وذلك بين . فمنهج الحياة شيء , والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر . والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله , هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة . .
وفي مسند أحمد ( 16283) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى مَرَرْتُ بِأَخٍ لِى مِنْ بَنِى قُرَيْظَةَ، فَكَتَبَ لِى جَوَامِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ لأَعْرِضُهَا عَلَيْكَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، يعنى بن ثابت: فَقُلْتُ: أَلاَ تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَسُولًا، قَالَ: