ندعو . إننا نرى واقع البشرية النكد , ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه . ونرى . نرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاة تلوح للمكدودين في هجير الصحراء المحرق , والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع ; ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان , ولكل معنى من معاني الإنسان !
وأولى الخطوات في الطريق أن يتميز هذا المنهج يتفرد , ولا يتلقى أصحابه التوجيه من الجاهلية الطامة من حولهم . .
كيما يظل المنهج نظيفا سليما . إلى أن يأذن الله بقيادته للبشرية مرة أخرى . والله أرحم بعباده أن يدعهم لأعداء البشر , الداعين إلى الجاهلية من هنا ومن هناك ! . .
وهذا ما أراد الله سبحانه أن يلقنه للجماعة المسلمة الأولى في كتابه الكريم ; وما حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمها إياه في تعليمه القويم . .
وقال تعالى: * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ* (149) سورة آل عمران
لقد انتهز الكفار والمنافقون واليهود في المدينة ما أصاب المسلمين من الهزيمة والقتل والقرح , ليثبطوا عزائمهم , ويخوفوهم عاقبة السير مع محمد , ويصوروا لهم مخاوف القتال , وعواقب الاشتباك مع مشركي قريش وحلفائهم . .
وجو الهزيمة هو أصلح الأجواء لبلبلة القلوب , وخلخلة الصفوف , وإشاعة عدم الثقة في القيادة ; والتشكيك في جدوى الإصرار على المعركة مع الأقوياء ; وتزيين الانسحاب منها , ومسالمة المنتصرين فيها !
مع إثارة المواجع الشخصية والآلام الفردية ; وتحويلها كلها لهدم كيان الجماعة , ثم لهدم كيان العقيدة , ثم للاستسلام للأقوياء الغالبين !
ومن ثم يحذر الله الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا . فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة , وليس فيها ربح ولا منفعة . فيها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر .
فالمؤمن إما أن يمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار , ويكافح الباطل والمبطلين , وإما أن يرتد على عقبيه كافرا - والعياذ بالله - ومحال أن يقف سلبيا بين بين , محافظا على موقفه , ومحتفظا بدينه . . إنه قد يخيل إليه هذا . .
يخيل إليه في أعقاب الهزيمة , وتحت وطأة الجرح والقرح , أنه مستطيع أن ينسحب من المعركة مع الأقوياء الغالبين وأن يسالمهم ويطيعهم , وهو مع هذا محتفظ بدينه وعقيدته وإيمانه وكيانه ! وهو وهم كبير . فالذي لا يتحرك إلى الإمام في هذا المجال لا بد أن يرتد إلى الوراء , والذي لا يكافح الكفر