فالذي ينتهك حرمة الشهر الحرام جزاؤه أن يحرم الضمانات التي يكفلها له الشهر الحرام . وقد جعل الله البيت الحرام واحة للأمن والسلام في المكان ; كما جعل الأشهر الحرم واحة للأمن والسلام في الزمان . تصان فيها الدماء , والحرمات والأموال , ولا يمس فيها حي بسوء . فمن أبى أن يستظل بهذه الواحة وأراد أن يحرم المسلمين منها , فجزاؤه أن يحرم هو منها . والذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته , فالحرمات قصاص . .
ومع هذا فإن إباحة الرد والقصاص للمسلمين توضع في حدود لا يعتدونها . فما تباح هذه المقدسات إلا للضرورة وبقدرها: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . .
بلا تجاوز ولا مغالاة . .
والمسلمون موكولون في هذا إلى تقواهم . وقد كانوا يعلمون - كما تقدم - أنهم إنما ينصرون بعون الله . فيذكرهم هنا بأن الله مع المتقين . بعد أمرهم بالتقوى . .
وفي هذا الضمان كل الضمان . .
ــــــــــــــ
وقال تعالى:* وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* (39) سورة الأنفال
وهذه حدود الجهاد في سبيل الله في كل زمان , لا في ذلك الزمان . .
ومع أن النصوص المتعلقة بالجهاد في هذه السورة , وبقوانين الحرب والسلام , ليست هي النصوص النهائية , فقد نزلت النصوص الأخيرة في هذا الباب في سورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة ; ومع أن الإسلام - كما قلنا في تقديم السورة - حركة إيجابية تواجه الواقع البشري بوسائل مكافئة , وأنه حركة ذات مراحل , كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية . .
ومع هذا فإن قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . .
يقرر حكمًا دائمًا للحركة الإسلامية في مواجهة الواقع الجاهلي الدائم . .
ولقد جاء الإسلام - كما سبق في التعريف بالسورة - ليكون إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين . . وأن معنى هذا الإعلان:الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها , والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض , الحكم فيه للبشر في صورة من الصور . . . الخ .
ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين:
أولهما:دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين , ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان , ويرجعون بعبوديتهم لله وحده , ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال . . وهذا لا