تَعَالَى المُشْرِكينَ المُسْلِمِينَ فِي مِثْلَي عَدَدِ المُشْرِكِينَ ( أيْ قَرِيبًا مِنْ ألْفَي مُقَاتِلٍ ) بَصُورَةٍ جَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ ، وَهُمْ إنَّما كَانُوا فِي الحقِيقَةِ ثَلاَثَمِئَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، وَكَانَ ضّلِكَ إضْعَافًا لِقُلُوبِ المُشْرِكِينَ ، وَلِيَهَابُوا المُسْلِمِينَ ، وَلِيَجْبُنُوا عَنْ قِتَالِهِمْ ، وَكَانَ ذَلِكَ مَدَدًا مِنَ اللهِ ، كَمَا أمَدَّهُمْ بِالمَلاَئِكَةِ . وَقَدْ أرَى اللهُ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ قَلِيلِي العَدَدِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيهِمْ .
وَدَارَتِ المَعْرَكَةُ فَانْتَصَرَ جُنْدُ اللهِ ، وَأعَزَّ اللهُ دِينَهُ ، وَقُتِلَ رُؤوسُ الكُفْرِ . وَفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لأولِي البَصَائِرِ لِيَهْتَدُوا إلى حِكَمِ اللهِ وَأفْعَالِهِ وَقَدَرِهِ الجَارِي بِنَصْرِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَمْتَثِلُونَ لِمَا أوْصَاهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ بِقَدَرِ طَاقَتِهِمْ ، فَيُقَاتِلُونَ ثَابِتِينَ وَاثقِينَ بِنَصْرِ اللهِ .
إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل , وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم . وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك . .
فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون . . وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل . ولكن هذا لا يمنحهم حقا خاصا إذا هم ضلوا وكفروا , ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا , وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين انجاهم الله منهم !
كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر - وهم كفار - ليقول لهم:إن سنة الله لا تتخلف . وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش . فالعلة هي الكفر . وليس لأحد على الله دالة , ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح !
(إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا , وأولئك هم وقود النار) . .
والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية ; ولكنهما لا يغنيان شيئا في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه , لأنه لا إخلاف لميعاد الله . وهم فيه: (وقود النار) . .
بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص"الإنسان"ومميزاته , ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر (وقود النار) . .
لا بل إن الأموال والأولاد , ومعهما الجاه والسلطان , لا تغني شيا في الدنيا:
(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا , فأخذهم الله بذنوبهم , والله شديد العقاب) . .
وهو مثل مضى في التاريخ مكرورا , وقصة الله في هذا الكتاب تفصيلا:وهو يمثل سنة الله في المكذبين بآياته , يجريها حيث يشاء . فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات الله .
وإذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق , معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء . .
ومن ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينذرهم هذا المصير في الدارين , وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب , فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد: (قل للذين كفروا: ستغلبون