فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 2003

الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفَّارِ ، الذِينَ كَانُوا يُعَيِّرونَ مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ بِالفَقْرِ ، وَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى الحَقِّ لَمَا تَرَكَهُ رَبُّهُ فِي هَذا الفَقْرِ ، وَيَتَفَاخَرُونَ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ لَنْ تَنْفَعَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ شَيئًا يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَلَنْ يَمْنَعَهُمْ شَيءٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ . وَهَؤُلاءِ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ يَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَدًا .

وَالكَافِرُونَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا ، فِي الصَّدَقَاتِ وَالقُرُبَاتِ ، وَفِي اكْتِسَابِ الشُّهْرَةِ وَالثَّنَاءِ . . . وَلَكِنَّ هَذا الإِنْفَاقَ ضَائِعٌ ، وَلَنِ يَنْتَفِعُوا مِنْهُ فِي الآخِرَةِ شَيْئًا . وَقَدْ شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى حَالَهُم هَذا بِحَالِ زَرْع قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي ، أصَابَتْهُ رِيحٌ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ فَأهْلَكَتْهُ عُقُوبةً لَهُمْ . وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ بِضَيَاعِ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالكُُفْرِ وَالبَغْيِ ، وَارْتِكَابِ المَعَاصِي .

إن أموالهم وأولادهم ليست بمانعتهم من الله ، ولا تصلح فدية لهم من العذاب ، ولا تنجيهم من النار . . وهم أصحاب النار وكل ما ينفقونه من أموالهم فهو ذاهب هالك ، حتى ولو أنفقوه فيما يظنونه خيرًا . فلا خير إلا أن يكون موصولًا بالإيمان ، ونابعًا من الإيمان . ولكن القرآن لا يعبر هكذا كما نعبر . إنما يرسم مشهدًا حيًا نابضًا بالحياة . . .

إننا ننظر فإذا نحن أمام حقل قد تهيأ للإخصاب . فهو حرث . ثم إذا العاصفة تهب . إنها عاصفة باردة ثلجية محرقة! تحرق هذا الحرث بما فيها من صِرّ . واللفظة ذاتها كأنها مقذوف يلقى بعنف ، فيصور معناه بجرسه النفاذ . وإذا الحرث كله مدمر خراب!

إنها لحظة يتم فيها كل شيء . يتم فيها الدمار والهلاك . وإذا الحرث كله يباب! ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا - ولو كان ينفق فيما ظاهره الخير والبر - ومثل ما بأيديهم من نعم الأولاد والأموال . . كلها إلى هلاك وفناء . . دون ما متاع حقيقي ودون ما جزاء . .

{ وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } .

فهم الذين تنكبوا المنهج الذي يجمع مفردات الخير والبر ، فيجعلها خطًا مستقيمًا ثابتًا وأصلًا . له هدف مرسوم ، وله دافع مفهوم ، وله طريق معلوم . . فلا يترك للنزوة العارضة ، والرغبة الغامضة ، والفلتة التي لا ترجع إلى منهج ثابت مستقيم . .

هم الذين اختاروا لأنفسهم الشرود والضلال والانفلات من عصمة الحبل الممدود . فإذا ذهب عملهم كله هباء - حتى ما ينفقونه فيما ظاهره الخير - وإذا أصاب حرثهم كله الدمار ، فلم يغن عنهم مال ولا ولد . . فما في هذا ظلم من الله - تعالى - لهم .

إنما هو ظلمهم لأنفسهم بما اختاروه لأنفسهم من تنكب وشرود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت