قال لهم موسى:ويلكم ! لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب , وقد خاب من افترى .
والكلمة الصادقة تلمس بعض القلوب وتنفذ فيها . ويبدو أن هذا الذي كان ; فقد تأثر بعض السحرة بالكلمة المخلصة , فتلجلج في الأمر ; وأخذ المصرون على المباراة يجادلونهم همسا خيفة أن يسمعهم موسى: (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى) . .
وجعل بعضهم يحمس بعضا , وراحوا يهيجون في المترددين الخوف من موسى وهارون , اللذين يريدان الاستيلاء على مصر وتغيير عقائد أهلها ; مما يوجب مواجهتهما يدا واحدة بلا تردد ولا نزاع . واليوم هو يوم المعركة الفاصلة والذي يغلب فيها الفالح الناجح:
(قالوا:إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى . فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا . وقد أفلح اليوم من استعلى) . .
وهكذا تنزل الكلمة الصادقة الواحدة الصادرة عن عقيدة , كالقذيفة في معسكر المبطلين وصفوفهم , فتزعزع اعتقادهم في أنفسهم وفي قدرتهم , وفي ما هم عليه من عقيدة وفكرة . وتحتاج إلى مثل هذا التحميس والتشجيع . وموسى وأخوه رجلان اثنان , والسحرة كثيرون , ووراءهم فرعون وملكه وجنده وجبروته وماله . . ولكن موسى وهارون كان معهما ربهما يسمع ويرى . .
ولعل هذا هو الذي يفسر لنا تصرف فرعون الطاغية المتجبر , وموقف السحرة ومن ورائهم فرعون . فمن هو موسى ومن هو هارون من أول الأمر حتى يتحداهما فرعون ويقبل تحديهما ; ويجمع كيده ثم يأتي , ويحشر السحرة ويجمع الناس ; ويجلس هو والملأ من قومه ليشهدوا المباراة ? وكيف قبل فرعون أن يجادله موسى ويطاوله ? وموسى فرد من بني إسرائيل المستعبدين المستذلين تحت قهره ? . . إنها الهيبة التي ألقاها الله على موسى وهارون وهو معهما يسمع ويرى . .
وهي كذلك التي جعلت جملة واحدة توقع الارتباك في صفوف السحرة المدربين , فتحوجهم إلى التناجي سرا ; وإلى تجسيم الخطر , واستثارة الهمم , والدعوة إلى التجمع والترابط والثبات .
ثم أقدموا: (قالوا:يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى) . .
وهي دعوة الميدان إلى النزال . يبدو فيها التماسك وإظهار النصفة والتحدي .
(قال:بل ألقوا) . .
فقبل التحدي , وترك لهم فرصة البدء , واستبقى لنفسه الكلمة الأخيرة . . ولكن ماذا ? إنه لسحر عظيم فيما يبدو , وحركة مفاجئة ماجت بها الساحة حتى موسى:
(فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . فأوجس في نفسه خيفة موسى) ,
والتعبير يشي بعظمة ذلك السحر وضخامته حتى ليوجس في نفسه خيفة موسى , ومعه ربه يسمع ويرى . وهو لا يوجس في نفسه خيفة إلا لأمر جلل ينسيه لحظة أنه الأقوى , حتى يذكره ربه بأن معه القوة الكبرى: