فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 2003

ثم التهديد الغليظ بالعذاب الغليظ الذي يعتمد عليه الطغاة ; ويسلطونه على الجسوم والأبدان حين يعجزون عن قهر القلوب والأرواح: (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ولأصلبنكم في جذوع النخل) .

ثم الاستعلاء بالقوة الغاشمة . قوة الوحوش في الغابة . القوة التي تمزق الأحشاء والأوصال , ولا تفرق بين إنسان يقرع بالحجة وحيوان يقرع بالناب: (ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) !

ولكنه كان قد فات الأوان . كانت اللمسة الإيمانية قد وصلت الذرة الصغيرة بمصدرها الهائل . فإذا هي قوية قويمة . وإذا القوى الأرضية كلها ضئيلة ضئيلة . وإذا الحياة الأرضية كلها زهيدة زهيدة . وكانت قد تفتحت لهذه القلوب آفاق مشرقة وضيئة لا تبالي أن تنظر بعدها إلى الأرض وما بها من عرض زائل . ولا إلى حياة الأرض وما فيها من متاع تافه:

(قالوا:لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا , فاقض ما أنت قاض . إنما تقضي هذه الحياة الدنيا . إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر , والله خير وأبقى) .

إنها لمسة الإيمان في القلوب التي كانت منذ لحظة تعنو لفرعون وتعد القربى منه مغنما يتسابق إليه المتسابقون . فإذا هي بعد لحظة تواجهه في قوة , وترخص ملكه وزخرفه وجاهه وسلطانه:

(قالوا:لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا . .) فهي علينا أعز وأغلى وهو جل شأنه أكبر وأعلى . (فاقض ما أنت قاض) ودونك وما تملكه لنا في الأرض . (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) . فسلطانك مقيد بها , وما لك من سلطان علينا في غيرها . وما أقصر الحياة الدنيا , وما أهون الحياة الدنيا . وما تملكه لنا من عذاب أيسر من أن يخشاه قلب يتصل بالله , ويأمل في الحياة الخالدة أبدا . (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر) مما كنت تكلفنا به فلا نملك لك عصيانا , فلعل بإيماننا بربنا يغفر لنا خطايانا . (والله خير وأبقى) خير قسمة وجوارا , وأبقى مغنما وجزاء . إن كنت تهددنا بمن هو أشد وأبقى . . .

وألهم السحرة الذين آمنوا بربهم أن يقفوا من الطاغية موقف المعلم المستعلي: إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا . ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى . جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى .

فإذا كان يتهددهم بمن هو أشد وأبقى . فها هي ذي صورة لمن يأتي ربه مجرما هي أشد عذابا وأدوم (فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا) فلا هو ميت فيستريح , ولا هو حي فيتمتع . إنما هو العذاب الذي لا ينتهي إلى موت ولا ينتهي إلى حياة . . وفي الجانب الآخر الدرجات العلى . . جنات للإقامة ندية بما يجري تحت غرفاتها من أنهار (وذلك جزاء من تزكى) وتطهر من الآثام .

وهزأت القلوب المؤمنة بتهديد الطغيان الجائر , وواجهته بكلمة الإيمان القوية . وباستعلاء الإيمان الواثق . وبتحذير الإيمان الناصع . وبرجاء الإيمان العميق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت