فهرس الكتاب

الصفحة 842 من 2003

وتساءل كثيرون: هل أزمتنا أزمة إرادة؟ لأن المعطيات كلها متوافرة ولا ينقص إلا الإرادة, والله يقول: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة, وليس في الأفق أي بارقة أمل تدل على الإعداد, بل ولا على مقدماته, فدلّ ذلك على عدم الإرادة أصلًا! إذ لو وجدت الإرادة لتبعها الإعداد ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ثم فقدان الإرادة وضعفها هل هو في القادة فقط والشعوب منه بريئة؟ أم هو شامل حتى للشعوب؟ بدليل أن كثيرًا من الشعوب لم تحدث نفسها بالغزو أصلًا, بل يوجد من أفراد المسلمين كثيرٌ لم يخطر بباله أن يغزو يومًا من الأيام, بل ربما هيأ نفسه للفرار من أقطارها, فهم كما قص الله عن المنافقين: ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبسوا بها إلا يسيرًا.

إن الأفغان حين اجتاحهم السوفيات لم يكن بأيديهم سوى العصي وبنادق الصيد القديمة, وكان عدوهم يملك أقوى ترسانة نووية في زمانه, فلما ملكوا الإرادة والتصميم والثقة المطلقة بنصر الله ووعده, قاوموا الغاشم وأخذوا منه سلاحه وقاتلوه به حتى قويت شوكتهم ونصرهم الله على عدوهم, ولا يليق بمشغب أن يقول ساندتهم أمريكا, ولولا ذاك لما انتصروا؛ لأننا نقول: إنهم بدأوا المقاومة ولم يحسبوا حساب مساندة أمريكا لهم, ثم من يقول إنك لو قاومت لن تجد دعمًا من دول أخرى ولو بحرّ مالك, كيف وأمة الإسلام تستطيع الاستغناء بالله وحده بما معها من عدد وعُدَد, ثم لم يلبث هذا الدب الغاشم أن دحره الله وشتت شمله وفرق جمعه, وكسر شوكته, وقل مثل ذلك في البوسنة والشيشان في حربهم الأولى كيف دحر الله أعداءهم من الصرب والروس وخرجوا منهزمين.

لو وجدت الإرادة لفتحت الحدود المحيطة بإسرائيل للمجاهدين ضدها, لو وجدت الإرادة لقوطعت كل الأمور التي تكون سببًا لقوة إسرائيل مباشرة أو بواسطة, لو وجدت الإرادة لما سجن دعاة الإسلام وعلماؤه في سجون فلسطين على يد بني جلدتهم بضغوط من اليهود من أهل السلام.

إنه ليس هناك أي دليل على إرادة صادقة عند أمة الإسلام لمواجهة عدوها, فما هذا الوهن والإحباط, ألم يسمعوا قوله سبحانه: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقوله: قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون أغرهم هزائم منوا بها فيما سبق فقاسوا حالهم اليوم على حالهم أمس, إنه قياس مع الفارق.

إن الحروب السابقة جرت حين كانت التيارات الأرضية من بعثية وناصرية وقومية وشيوعية وغيرها هي التي توجه الشعوب, فصرفتها عن طبيعة المعركة إلى رايات جاهلية, أما اليوم فإن الأمر قد اختلف؛ حيث غربة الإسلام بدت تتقشع شيئًا فشيئًا بفضل الله أولًا ثم بفضل جهود العلماء المخلصين العاملين الربانيين في هذه البلاد وغيرها من بلاد الله, وإذا أردت أن ترى مصداق ذلك فانظر كم من الناس كان يعرف ابن عثيمين حفظه الله عام 93هـ, وهو زمن حرب رمضان, كم كان يعرفه في هذه البلاد؟ إنه لم يكن يعرف خارج بلدته, واليوم يصدر الناس عن فتواه في مشارق الأرض ومغاربها, وانظر كم دفعة تخرجت من الجامعة الإسلامية منذ تلك الحرب إلى اليوم؟ إنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت