لأمره في غزوة أحد، فأصابهم ما أصابهم، فما بالكم بجملةٍ لا تُحصى من المنكرات الفاضحة، والمخالفات الواضحة، التي نخشى ـ والله ـ من عاقبتها وعقوبتها.
أيها المسلمون، إن أرادت الأمة نصر الله وتأييده، وأن يعود لها التأثير في مجريات الأحداث، فعليها أن تُعيد صياغة الحياة في بلادها وفق رسالة الإسلام، وأن تسوس الدنيا بالدين، وتمحو آثار المفسدين، وتجفِّف منابع الشر، وتحسِم مواد الإفساد، وأن تعمل على تحقيق أهدافها، وبناء قوتها واستعدادها، وأن تسعى لإصلاح أوضاعها إصلاحًا شاملًا كاملًا، عقديًا وأخلاقيًا وسلوكيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، حتى لا تتحول جهودها في مواجهة التحدِّيات والمؤامرات سلسلةً من الذل والإحباطات، والصدمات والانتكاسات، وإن الإصلاح الصادق ليس إصلاحًا تحرِّكه بواعث وقتية، أو ملابسات ظرفية، وإنما هو إصلاح صادر عن إيمان راسخ وعقيدة صادقة، واستشعار بأنها مسؤولية أمام الله عز وجل، يوم يسأل كل عبد عما استرعاه مولاه: أدَّى أم تعدي؟ يقول رسول الله: (( كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) )أخرجه البخاري (1) [1] .
أيها المسلمون، إن أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين لا يألون إقدامًا ولا ينكسون إحجامًا في التخطيط لإقصاء الإسلام عن الحياة، وإزاحته عن أرض الواقع، ومحاولة تهميشه وحصره وقصره، وتطويع العالم الإسلامي بتبعية الحياة الغربية، يساندهم في ذلك فسّاق مستغربون، ومنافقون علمانيون، تارةً بتأويل نصوص الوحيين ولوي أعناقها، وتارةً بالنيل من علماء الإسلام، وتارة بالنيل من الدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وغمزهم ولمزهم والتطاول عليهم، واتهامهم بما ليس فيهم، وتارةً بالدعوة إلى الاختلاط، وتحرير المرأة، ونبذ قوامة الرجل عليها، جهالاتٌ مطبقة، وأفكار موبقة، تثير البلبلة، وتخلق الخلخلة، وتزرع بذور الفرقة، يلبسون ثياب الإصلاح على أفئدة عشعش فيها النفاق، فهم كالثمرة الفجَّة الملقاة، انفصلت من شجرة الطهر والعفاف والحياة، فسقطت وتعفّنت، وأنتنت وفسدت، فأنَّى يستفاد منها، يُفسدون في الأرض ولا يصلحون، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .
فعلى الأمة وهي تتلمَّس معالم الإصلاح ومنهجيته ومقوِّماته وأسسه ووسائله أن تحذر أدعياء الإصلاح الذين تربَّوا في حجر الأعداء، فلم تجن الأمة من جهودهم إلا كل حنظل، ومن أفكارهم إلا الأحساك والأشواك والهلاك. وعلى الأمة أن تأخذ الرأي والمشورة من علمائها الأمناء الذين ليس لهم بائقة، ولا يُخاف منهم غائلة، وهم ضمير الأمة وغيظ عدوِّها، وحُرّاس عقيدتها والفضيلة فيها، حتى يصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، يقول الله عز وجل حكاية عن ملكة