وردت كلمة"التمكين"في القرآن الكريم باشتقاقاتها ثماني عشرة مرة، ولم يحدد لها القرآن اصطلاحًا خاصًا بل استعملها في المعاني التي ذكرت معاجم اللغة، وباستقراء الآيات التي وردت فيها اشتقاقات الكلمة يتبين لنا أن القرآن استعمل الكلمة على سبعة معانٍ هي الآتي:-
أولًا: التمكين بمعنى الملك والسلطان:-
قال _جل ذكره_ في شأن ذي القرنين: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} (84) سورة الكهف ،قال ابن كثير رحمه الله: أَيْ أَعْطَيْنَاهُ مُلْكًا عَظِيمًا مُمَكَّنًا فِيهِ مِنْ جَمِيع مَا يُؤْتَى الْمُلُوك مِنْ التَّمْكِين وَالْجُنُود وَآلَات الْحَرْب وَالْحِصَارَات وَلِهَذَا مَلَكَ الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب مِنْ الْأَرْض وَدَانَتْ لَهُ الْبِلَاد وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوك الْعِبَاد وَخَدَمَتْهُ الْأُمَم مِنْ الْعَرَب وَالْعَجَم . [1]
ومن هذا القبيل قوله -تعالى-: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (41) سورة الحج، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: (أي: ملكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض) [2] .
ثانيًا: التمكين بمعنى المنزلة عند الملك:
قال تعالى في شأن يوسف -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} (54) سورة يوسف، وقال تعالى في جبريل عليه السلام: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} (20) سورة التكوير، وكذلك قال تعالى في شأن يوسف _على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (56) سورة يوسف، ويفسر هذا التمكين أنه نصيب من الملك ومنزلة ذات قدر عند الملك قوله تعالى في آخر السورة على لسان يوسف -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (101) سورة يوسف.
ثالثًا: التمكين بمعنى التهيئة:
قال تعالى: { وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (57) سورة القصص أي ألم نجعل حرمًا ذا أمن . [3]
(1) - تفسير ابن كثير - (ج 9 / ص 225)
(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 539)
(3) - انظر فتح القدير (4/179) .