فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 2003

الخطبة الأولى

أما بعد: يقسم العلماء التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.

ومن معتقد أهل السنة والجماعة في معاني أسماء الله وصفاته أن الله لا يَخذل من توجّه إليه بصدق وتوكل واعتمد عليه. فإنه لم يحصل في تاريخ البشرية منذ أن خلق الله هذه الأرض أن نبيًا من الأنبياء أو عالمًا أو داعيةً أو مجاهدًا أو مجتمعًا أو دولةً أو غيرهم توكلوا على الله وصدقوا الله واعتمدوا على الله وتركوا جميع الناس من أجل الله ثم خذلهم الله، هذا لا يعرف في التاريخ أبدًا، بل من فهمنا لمعاني أسماء الله وصفاته أن كل من توكل على الله واعتمد عليه وترك من سواه من الخلق، فإن الله لا يخذله، بل سينصره كما قال سبحانه: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47] .

فإن هذا من معاني أسمائه وصفاته. فالله عز وجل بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا كتب النصر والغلبة لأهل الحق من أوليائه الصالحين والمصلحين، وكتب المهانة والذلة على أعدائه من الكافرين والمنافقين، وهذه سنة لا تتخلف إلاّ إذا تخلفت أسبابها فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43] .

أيها المسلمون، لكن لهذا النصر صور عديدة، وليس النصر محصورًا في انتصار المعارك فحسب، بل قد يقتل النبيّ أو يطرد العالم أو يسجن الداعية أو يموت المجاهد أو تسقط الدولة، والمؤمنون منهم من يسام العذاب، ومنهم من يلقى في الأخدود، ومنهم من يَستشهد، ومنهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد، ومع ذلك يكون كل هؤلاء قد انتصروا بل وحققوا نصرًا مؤزرًا، وتحقق فيهم قول الله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ.

ومن قَصَرَ معنى النصر على صورة واحدة وهي الانتصار في المعارك فحسب، لم يدرك معنى النصر في الإسلام.

فمن أنواع النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين: نصر العزة والتمكين في الأرض وجعل الدولة للإسلام والجولة للإسلام، كما نصر الله عز وجل داود وسليمان عليهما السلام كما قال سبحانه: وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:251] ، وقال عز وجل: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] ، فجمع الله عز وجل لهذين النبيين الكريمين بين النبوة والحكم والملك العظيم.

وكذلك موسى عليه السلام نصره الله على فرعونَ وقومه وأظهر الدين في حياته، كما قال سبحانه: وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ [الأعراف:137] .

أما نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم فقد نصره الله نصرًا مؤزرًا، فما فارق النبي الدنيا حتى أقرّ الله عز وجل عينه بالنصر المبين، والعز والتمكين، بل جعل الله عز وجل النصر ودخول الناس في دين الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت