فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 2003

يقول الله تعالى في سورة آل عمران: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175] .

أيها المسلمون، قد ذكرت كتب التفسير وكتب السيرة النبوية المطهرة أنه بعد أن وقعت أحد في السنة الثالثة للهجرة وحصل مع المسلمين ما حصل انتشى أبو سفيان زعيم المشركين في مكة المكرمة وقتئذ فرحًا، ونادى بأعلى صوته: يا محمد، موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، أي: نتلاقى في العام القادم في مكان بدر، فأجابه مباشرة: (( نعم، إن شاء الله ) ).

أيها المسلمون، لما رجع الرسول إلى المدينة المنورة أصبح حِذَرًا من زحف المشركين إلى المدينة ليتمّموا غلبتهم وفرحتهم، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو، وأن لا يخرج معه إلا من شارك فقط في غزوة أحد، فاستجاب الصحابة رضوان الله عليهم إلى ذلك بعزيمة وإصرار بعد أن أصابهم القرح وضمدوا الجراح، وساروا حتى وصلوا إلى موقع يُعرف بحَمْرَاء الأسَد، وكان ما توقّعه الرسول قد حصل فعلًا، فقد كان المشركون يجهزون أنفسهم بالتوجه إلى المدينة المكرمة، ولكن لما علّموا بخروج النبي من المدينة باتجاه مكة ظنوا وتوهموا أنه قد حضر معه جيش كبير، فألقى الله عز وجل الرعب في قلوبهم، ورجعوا القَهْقَرَى إلى مكة، وعَدَلوا عن التوجه إلى المدينة.

أيها المسلمون، بينما كان في موقع حَمْرَاء الأسَد أُلقِي القبضُ مرّة أخرى على المشرك أبي عزّة الشاعر الذي سبق أن وقع أسيرًا في غزوة بدر الكبرى، وقد مَنّ عليه الرسول وقتئذ وأطلق سراحه بعد أن تعهّد أن لا ينظم شعرًا يحرّض فيه المشركين على مقاتلة المسلمين، إلا أن أبا عزّة الشاعر لم يلتزم بوعده وعهده، فاستمرّ في نظم الشعر ضد الإسلام والمسلمين، فأمر بقتله، فأخذ أبو عزّة الشاعر يتوسل ويتَمَسْكَن ليمنّ عليه الرسول مرة أخرى، فقال له: (( لا والله، لا تمسح عارضيك بالكعبة وتقول: خدعت محمدًا مرتين، لا يُلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين ) ). هذا، وتعتبر غزوة حمراء الأسد أول رد اعتبار للمسلمين عما حصل لهم في أحد.

أيها المسلمون، هذا درس بليغ للمسلمين في كل زمان ومكان بأن لا ينخدعوا بالذين ينقضون العهود والمواثيق، فالمؤمن كَيّسٌ فَطِنٌ، وليس كِيْسَ قُطْنٍ، ينبغي عليه أن لا يُلدغ من جُحر واحد مرتين. أما الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي فقد لُدِغت من جُحر واحد مرات ومرات، ولم تتعظ إلى الحين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيها المسلمون، لقد تمكّن رسولنا الأكرم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من تغيير الميزان لصالحهم بعد عام واحد فقط، وذلك في غزوة بدر الآخرة، وتعرف بغزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة للهجرة، حيث عَسْكَرَ المسلمون فعلًا في موقع بدر، في حين أن المشركين لم يحضروا في المكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت