فهرس الكتاب

الصفحة 934 من 2003

يقولُ ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (2/176، 177) وهو يتحدثُ عن نوعي العبوديةِ العامةِ الخاصة:"ولله سبحانهُ على كلِّ أحدٍ عبوديةً بحسبِ مرتبته، سِوى العبوديةِ العامةِ التي سوَّى بين عبادهِ فيها؛ فعلى العالم من عبوديةِ نشرِ السنةِ والعلم الذي بعثَ اللهُ به رسلهُ ما ليس على الجاهل، وعليه من عبوديةِ الصبرِ على ذلك ما ليس على غيره، وعلى الحاكمِ من عبوديةِ إقامةِ الحقِّ وتنفيذهِ وإلزامه من هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي، وعلى الغنيِّ من عبوديةِ أداءِ الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادرِ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهادِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالت لهُ امرأة: هذا واجبٌ قد وضع عنَّا، فقال: هبي أنَّهُ قد وضَع عنكنَّ سلاح اليدِ واللسان، فلم يُوضع عنكنَّ سلاح القلب، فقالت: صدقت، جزاك الله خيرًا... ـ إلى أن قال الشيخ رحمه الله: ـ وقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلقِ بأن حسنَّ لهمُ القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبادات؛ فلم يُحدِّثُوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاءِ عند ورثةِ الأنبياءِ من أقلِّ الناسِ دينًا، فإنَّ الدين هو القيامُ لله بما أمر به، فتاركُ حقوقِ الله التي تجبُ عليه أسوأُ حالًا عند الله ورسولهِ من مُرتكب المعاصي... ـ إلى أن قال: ـ ومن له خبرة بما بعث اللهُ به رسولهُ وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ من يشار إليهم بالدين هُم أقلُّ الناسِ دينًا والله المستعان، وأيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارم الله تُنتهك وحدودهُ تُضاع ودينهُ يُترك وسنة رسولِ اللهِ يرغب عنها وهو باردُ القلبِ ساكتُ اللسان شيطانٌ أخرس؟! كما أنَّ المتكلمَ بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليَّةُ الدين إلاَّ من هؤلاءِ الذين إذا"

سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلا مبالاةَ بما جرى على الدين؟! وخيارهم المحزن المتلمظ، ولو نُوزع في بعضِ ما فيه غضاضة عليه في جاههِ أو مالهِ بذل وتبذل وجدَّ واجتهد واستعملَ مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء ـ كما يقولُ الشيخ رحمه الله ـ مع سقوطهم من عينِ الله ومقت اللهِ لهم قد بلوا في الدنيا بأعظمِ بليَّةٍ تكونُ وهم لا يشعرون وهو موت القلوب، فإنَّ القلبَ كلَّما كانت حياتهُ أتم كان غضبهُ لله ورسولهِ أقوى وانتصارهُ للدين أكمل"."

أيّها المسلمون، في تركِ أمرِ الله وعدم التمعُّر لشيوعِ الفساد والمنكر خطر عظيم، وقد ذكرَ الإمامُ أحمد وغيره أثرًا أنَّ اللهَ سُبحانهُ أوحى إلى ملكٍ من الملائكةِ أن اخسِف بقريةِ كذا وكذا، فقال: يا رب، كيف وفيهم فلانٌ العابد؟! فقال: به فابدأ؛ فإنَّهُ لم يتمعَّر وجههُ في يومٍ قط. وذكر صاحبُ التمهيد أنَّ اللهَ سُبحانهُ أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائهِ أن قُل لفلانٍ الزاهد: أمَّا زُهدك في الدنيا فقد تعجّلت به الراحة، وأمَّا انقطاعُك إليَّ فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما ليَ عليك؟ فقال: يا ربي، وأي شيءٍ لك عليّ؟! قال: هل واليتَ فيَّ وليّا أو عاديت فيّ عدوّا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت