فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 2003

المسلمين, ويظهرون أقبح القول، فيقول ابن أبي لابنه عبد الله وهو جريح قد بات يكوي جراحه بالنار: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي، عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع الله تعالى لرسوله وللمسلمين خير. وأظهر اليهود القول السيئ, فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك؛ ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه. وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله أصحابهم، ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل. وسمع عمر بن الخطاب ذلك في أماكن فمشى إلى رسول الله ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من اليهود والمنافقين، فقال: (( يا عمر، إن الله تعالى مظهر دينه ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم ) )، فقال عمر: فهؤلاء المنافقون؟ قال: (( أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ) )قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذًا من السيف، فقد بان لنا أمرهم وأبدى الله تعالى أضغانهم عن هذه النكبة، فقال: (( إني نهيت عن قتل من قال: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يا بن الخطاب، إن قريشًا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن ) ). وهكذا شمت أعداء الإسلام بهزيمة المسلمين، لكن النهاية كانت للمؤمنين وأعز الله دينه وأعلى كلمته.

إن الهزيمة ـ عباد الله ـ قد تكون نعمة والمحنة قد تكون منحة، وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت، وربما صحت الأجساد بالعلل. فقد كان في هزيمة المسلمين في أحد حكم وفوائد، منها مثلًا اتخاذ الشهداء من المسلمين، وبيان سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، ومنها أن الهزيمة من أعلام وأدلة الرسل كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال, يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، قال هرقل: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة. ومن فوائد الهزيمة كذلك أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب. ومنها تطهيرهم وتنقيتهم من معاصيهم، وغير ذلك كثير مما ذكر العلماء. وقد أشار سبحانه وتعالى إلى كل ذلك في سورة آل عمران، وجاءت تلك الآيات لتثبيت المعايير الإيمانية في مفهوم القدر، ومفهوم الحياة والموت ومفهوم النصر والهزيمة والربح والخسارة، ومفهوم الإيمان والنفاق. فهل الهزيمة تعني الخسارة؟ وهل الموت يعني الخسارة؟ كلا والله، فقد مات من الصحابة في معركة أحد سبعون رجلًا، فهل خسروا؟! بل ربحوا ـ والله ـ جنة عرضها السماوات والأرض، واتخذهم الله شهداء عنده أحياء غير أموات عند ربهم يرزقون. ولقد قتل المؤمنون في الأخدود وأحرقوا، فهل خسروا؟! ولقد قتل الغلام المؤمن ـ كما في حديث الغلام المؤمن والساحر ـ بطريقة كان هو الذي دل الملك عليها بعد أن عجز عن قتله، فهل خسر؟! بل ربح أولئك جميعا رضوان الله والدار الآخرة.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت