فهرس الكتاب

الصفحة 960 من 2003

والمقصود بهذا الأصل هنا أن لا يتكل أصحاب الدعوة على أنهم مسلمون والله ناصرهم؛ فيفرطون في الأخذ بالأسباب. نعم إنَّ الله عز وجل لو شاء لانتصر من أعدائه بكلمة واحدة، ولكن حكمته سبحانه اقتضت أن ينتصر دينهُ بجهد البشر، كما قال تعالى: (( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض ) ) ( محمد: 4 ) .

وإذا علم الله سبحانه أنَّ عباده المؤمنين المصلحين قد بذلوا ما في طاقتهم من الأخذ بأسباب النصر وأصوله من الفهم والمعتقد الصحيح والمقاصد الحسنة المتجردة لله تعالى واجتماع القلوب وتميز الصف والصبر على ابتلاءات الطريق، وبذلت الجهود الكبيرة، وأخذ بالأسباب والوسائل المتاحة، والتي توصل إلى تحقيق هذه الأصول. ومن ذلك الجوانب الاقتصادية التي توفر المال للدعوة، لأنها من أهم الأسباب التي يحصل بها قوة الدعوة وانتشارها، واعتماد الدعوة بعد الله تعالى على نفسها. إذا علم الله سبحانه أنَّ أصحاب الدعوة قد بذلوا كل ما في وسعهم ولم يفرطوا في الأخذ بأسباب النصر السابقة، واستعدوا للجهاد في سبيل الله تعالى، وقال قائلهم بعد ذلك: (( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) ) (القمر:10) .

فإنَّ نصر الله عز وجل ينزل حين ذاك كما نزل على أنبيائه- عليهم الصلاة والسلام-، وكما نزل على عباده المصلحين المجاهدين في مراحل التاريخ الإسلامي. ولم يكلف أصحاب الدعوة بمعرفة الطريقة التي سينزل بها نصر الله تبارك وتعالى، ولكن حسبهم أن يوقنوا بنصرِ الله عز وجل، وأنَّ لهُ سُبحانه جنود السموات والأرض، وهو على كل شيءٍ قدير، وأنَّه سبحانه لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهذا يقودنا إلى الأصل السادس.

الأصل السادس: التوكل على الله عز وجل والاستعانة به وحده:

وهذا أصل مهم من أصول النصر والتمكين، وهو في حقيقته داخلٌ في الأصل الأول والثاني، لأنَّ صحةَ الفهم والمعتقد يجعل أصحاب الدعوة فاهمين لحقيقة التوكل، وأنَّهُ يعني تمام الثقة بالله عز وجل والاعتماد عليه مع فعل الأسباب المأمور بها وعدم الاعتماد عليها، لأنَّ خالق الأسباب ومسبباتها هو الله عز وجل، كما أنَّ حسن القصد والإخلاص يجعلهم لا يتعلقون بالأسباب ولا يعجبون بأنفسهم وإيمانهم وكثرة أتباعهم، وإنما يوقنون بأنَّهم ضعفة عاجزون لا حول لهم ولا قوة إذا لم يعنهم الله عز وجل ويقويهم.

وإفراد هذا الأصل هنا في أصلٍ مستقل مع دخوله فيما سبق للتأكيد على أهميته ولوجود من يغفله في كثير من الأحيان، وفي زحمة الأخذ بالأسباب.

وإنَّ الأخذ بهذا الأصل يعني تقوية اللجوءِ إلى الله عز وجل، ودعائه والتضرع بين يديه في استجلاب النصر ودفع الشر، مما يكون لهُ الأثر في إضفاءِ الطمأنينة واليقين والثبات، ومن اليقين والثقة بوعد الله عز وجل اليقين الذي لا يتزعزع بأنَّ لله عز وجل جنود السموات والأرض، وأنَّهُ سبحانه ينصر عباده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت