فهرس الكتاب

الصفحة 980 من 2003

وقال تعالى:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [31] } [سورة محمد] . وقال تعالى: الم [1] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [3] } [سورة العنكبوت] .

فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين:

إما أن يقول أحدهم: آمنت، أو لا يؤمن بل يستمر على السيئات والكفر، ولابد من امتحان هذا وهذا. فأما من قال: آمنت، فلابد أن يمتحنه الرب، ويبتليه ليتبين: هل هو صادق في قوله: آمنت، أو كاذب، فإن كان كاذبًا؛ رجع على عقبيه، وفر من الامتحان كما يفر من عذاب الله. وإن كان صادقًا؛ ثبت على قوله، ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا إيمانًا على إيمانه، قال تعالى:وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [22] } [سورة الأحزاب] .

وأما من لم يؤمن: فإنه يمتحن في الآخرة بالعذاب، ويفتن به، وهي أعظم المحنتين، هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها وعقوبتها التي أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم، فلابد من المحنة في هذه الدار، وفي البرزخ، وفي القيامة لكل أحد، ولكن المؤمن أخف محنة، وأسهل بلية، فإن الله يدفع عنه بالإيمان، ويحمل عنه به، ويرزقه من الصبر والثبات، والرضى والتسليم ما يهون به عليه محنته، وأما الكافر، والمنافق، والفاجر، فتشتد محنته وبليته وتدوم.

فمحنة المؤمن خفيفة منقطعة، ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متصلة، فلا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت، أو كفرت لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة، والكافر والمنافق والفاجر تحصل له اللذة والنعيم ابتداءً، ثم يصير إلى الألم، فلا يطمع أحد أن يخلص من المحنة والألم ألبتة.. يوضحه:

الأصل العاشر: وهو أن الإنسان مدني بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم؛ آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر، فلابد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم، أو مخالفتهم، وفي الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفي المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم واعتقاداتهم وإراداتهم.

ولا ريب أن ألم المخالفة لهم في باطلهم أسهل وأيسر من الألم المترتب على موافقتهم، واعتبر هذا بمن يطلبون منه الموافقة على ظلم، أو فاحشة، أو شهادة زور، أو المعاونة على محرم، فإن لم يوافقهم آذوه وظلموه وعادوه، ولكن له العاقبة والنصرة عليهم إن صبر واتقى. وإن وافقهم فرارًا من ألم المخالفة؛ أعقبه ذلك من الألم أعظم مما فر منه، والغالب أنهم يسلطون عليه، فيناله من الألم منهم أضعاف ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت