كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
فالواجب على كل ذي لب أن ينظر فيما خلق له ، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله حتى يؤدي حقه وحق عباده ، وحتى يحذر ما نهاه الله عنه ليفوز بالسعادة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة ، وهذا العلم هو أنفع العلوم وأهمها وأفضلها وأعظمها ، لأنه أساس الملة وزبدة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وخلاصة دعوتهم ، ولا يتم ذلك ولا يحصل به النجاة إلا بعد أن يضاف إليه الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام ، وعلى رأسهم إمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومقتضى هذا الإيمان ، تصديقه صلى الله عليه وسلم في إخباره وطاعة أوامره وترك نواهيه ، وأن لا يعبد الله سبحانه إلا بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام . وهكذا كل أمة بعث الله إليها رسولا ، لا يصح إسلامها ولا يتم إيمانها ولا تحصل لها السعادة والنجاة إلا بتوحيدها لله ، وإخلاص العبادة له عز وجل ، ومتابعة رسولها صلى الله عليه وسلم ، وعدم الخروج عن شريعته ، وهذا هو الإسلام الذي رضيه الله لعباده ، وأخبر أنه هو دينه ، كما في قوله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا وقوله عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وبهذا يتضح لذوي البصائر أن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده ، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله .
الثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
فالأول يبطل جميع الآلهة المعبودة من دون الله ، ويعلم به أن المعبود بحق هو الله وحده ، والثاني يبطل التعبد بالآراء والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ، كما يتضح به بطلان تحكيم القوانين الوضعية والآراء البشرية ويعلم به أن الواجب هو تحكيم شريعة الله في كل شيء ، ولا يكون العبد مسلما إلا بالأمرين جميعا ، كما قال الله عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقال سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وقال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وقال عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
وهذه الآيات تتضمن غاية التحذير والتنفير من الحكم بغير ما أنزل الله ، وترشد الأمة حكومة وشعبها إلى أن الواجب على الجميع هو الحكم بما أنزل الله والخضوع له والرضا به ، والحذر مما يخالفه ، كما تدل أوضح دلالة على أن حكم الله سبحانه هو أحسن الأحكام وأعدلها ، وأن الحكم بغيره كفر وظلم وفسق وأنه هو حكم الجاهلية الذي جاء شرع الله بإبطاله والنهي عنه ، ولا صلاح