فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 2003

وتوقع نتائجها والقدرة على التعامل معها، فيوسف _عليه السلام_ أكرمه الله بتأويل الأحاديث أي تعبير الرؤيا، وهذا معنى أوّلي، وهو ما مشى عليه عامة المفسرون، ومعنى آخر، وهو تأويل الأحاديث، بمعنى تفسير الأحداث واستشرافها والتخطيط لها، وهذا ما حصل عندما ولي أمر تدبير ما بدء تحققه مما توقعه بعد تأول الرؤيا.

ولعل هذا الضرب من تأويل الأحاديث فيه شبه مما أعطيه عمر بن الخطاب _رضي الله تعالى عنه_، فقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول:"قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" [أخرجاه في الصحيحين] وليس ذلك من ادعاء علم الغيب. كلا وحاشا، بل هي فراسة وعلم قائم بذاته، يبنى على الحقائق والدراسات والأرقام. يلهمه الله بعض خلقه، وخاصة إذا توافر فيهم الصدق، والإيمان، والتقوى، فينير الله بصيرتهم، ويجعل لهم فرقانًا.

ولعل الناظر إلى علم دراسات المستقبل، والذي غدا اليوم علمًا مستقلًا يدرس في أعرق الجامعات، يلحظ أن الذين تفارقهم التقوى والإيمان يخطئون كثيرًا في هذا الجانب رغم عظم ما عندهم من وسائل مادية وإمكانات.

أما إذا توافر مع هذا العلم تقوى وورع وصدق مع الله _جل وعلا_ والتجاء إليه، فيجعل الله لأصحابه فرقانًا يميزون به بين الحق والباطل، وفراسة لا تكاد تخطئ، وقد قال الله _عز وجل_:"وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ" (البقرة: من الآية282) ."يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا" (لأنفال: من الآية29) .

كما إن دراسة السنن الكونية من الأهمية بمكان، فالسنن لا تتخلف. وكذلك دراسة التاريخ الذي تمر به حوادث مشابهة يستفيد اللبيب من نتائج تصرفات أهل تلك الحقبة، وكل ذلك جزء مما يسمى اليوم بعلم (فقه الواقع) ، والذي يجب أن يبنى على الكتاب والسنة، ويجب أن نكون فيه وسط بين الإفراط والتفريط.

فهناك من غلا في هذا العلم فأخرجه عن حده، وهناك من أنكره، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فأصل هذا العلم في الكتاب والسنة، وفي سيرة السلف _رضوان الله تعالى عليهم_ وهو علم له أصوله ومنطلقاته، كما أنه من أهم ما نحتاج إليه في عصرنا الحاضر، بل ما أحوجنا إلى أن تنشأ له المعاهد والكليات المتخصصة، وما أحوجنا إلى ربطه بالكتاب والسنة، و السنن الكونية والأحداث التاريخية، مع ملاحظة واقعنا وقدراتنا وإمكاناتنا وأحوال أعدائنا، مع الالتجاء إلى الله بأن يهدينا سواء السبيل"اللهم اهدني وسددني"كما ورد في حديث علي عند مسلم.

وبهذا يكون تعاملنا مع هذا العلم تعاملًا واقعيًا بلا إفراط أو تفريط ، ويكون عالم الشرعية على مستوى من الوعي بما يقع في أمته وما يحيط بها من أخطار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت