ثم قال أبو قدامة: فعجبت والله من هذا الغلام , ثم عاجلني الغلام بقوله: فسألتك بالله ياعمّ ألاَّ تحرمني الغزو في سبيل الله تعالى معك , أنا - إن شاء الله - الشهيد ابن الشهيد فإني حافظ لكتاب الله , عارف بالفروسية والرمى , فلا تحقرنى لصغر سني.
قال أبو قدامة: فلما سمعت ذلك منه لم أستطع والله أن أرده , فأخذناه معنا , فوالله ما رأينا أنشط منه , إن ركبنا فهو أسرعنا , وإن نزلنا فهو أنشطنا , وهو في كل أحواله في الطريق وفى النزول لا يفتر لسانه عن ذكر الله عز وجل أبدًا.
فنزلنا منزلًا لما أقبلنا إلى الثغور مع غروب الشمس وكنا صائمين , فأردنا أن نطبخ فطورنا وعشاءنا. قال: فلما نزلنا , أقسم الغلام علينا ألا يصنع لنا الفطور إلا هو فأردنا أن تمنعه عن ذلك إذ هو ما يزال في تعبٍ شديدٍ من طول الطريق وعسره , لكنه أبى علينا ذلك , فلما نزلنا قلنا: تَنحْ عنَّا قليلًا حتى لا يؤذينا دخان الحطب.
قال: فجلسنا ننتظر الغلام , فأبطأ علينا شيئًا يسيرًا.
فقال لى بعض أصحابى: يا أبا قدامة اذهب إلى صاحبك فانظر لنا خبره , فما هذا بصنع فطور ولا طعام , قد أبطأ علينا كثيرًا. قال: فلما توجهت إليه فإذا الغلام قد أشعل النار في الحطب وقد وضع من فوقه القِدر ثم غلبَهُ التعب والنوم ووضع رأسه على حجرٍ ثم نام.
فلما رأيته على هذا الحال كرهت والله أن أوقظه من منامه وكرهت أن أرجع إلى أصحابى وليس معى طعام لهم , فلما رأيت حاله كذلك. قلت