من فوقهم,وطُمست الشَّمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها إطفاء نورها ومادت السماء من فوقهم فدارت بعظمها من فوقهم وأنت تنظر إلى هول ذلك فبينا ملائكةٌ على حافاتها إذ انحدروا منها إلى الأرض للعرض والحساب, فيفزعُ الخلائق لنزولهم مخافة أن يكونوا قد أُمروا بهم وتفزع الملائكة إجلالًا لمليكهم, وقد كُسيت الشَّمس حرَّ عشر سنين, وأُدنيت من الخلائق قاب قوس أو قوسين, فلا ظلَّ لأحدٍ إلَّا عرشُ ربّ العالمين, فمن بين مستظلٍّ بظلّ العرش, وبين مضحٍ بحرِّ الشمس قد صهرته وأسكرته, ثم ازدحمت الأمم من العطش؛ فاجتمع حرُّ الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسادهم, ففاض العرق منهم سيلًا حتَّى استُنْقِعَ على وجه الأرض, ثمَّ علا الأبدان على قدر أعمالهم ومراتبهم ومنازلهم عند الله عزَّ وجلَّ في السعادة والشقاء,وأنت كأحدهم لا محالة,حتى إذا بلغ منك ومنهم المجهود وطال وقوفهم لا يتكلمون ولا يُنْظَرُ في أمورهم؛ فما ظنُّك بوقوفهم ثلاث مئة عام لا يأكلون ولا يشربون ولا يَنْفَحُ وجوههم رَوْحٌ ولا نسيمُ جوٍّ ولا ريح,ولا يستريحون من تعب قيامهم ونَصَبِ وقوفهم,وقد اشتدَّ العطش, فيفزعون إلى حوض محمد -صلى الله عليه وسلم- فَمِنْ شاربٍ من حوضه صادرٍعنه بعد ريه مسرور قلبه بفرحه بالري وزوال شدة عطشه,ومن مصروفٍ وَجْهُه عن حوضه ومُوَلٍّ بعطشه وشدة حسرته على ما خُيّب من أمله أن يشرب من حوضه, ينادي بصوته المحزون عن قلبه الحسر المغموم: أتيت حوض محمد -صلى الله عليه وسلم- فَصُرِفَ وجهي؛ فواعطشاه! وليس مِنَّا أحدٌ إلا وهو خائف أن يحلَّ به ما حلَّ به؛ فحَقٌ عليك أن تعيش في الدنيا مغمومًا محزونًا خائفًا أن يُصرف وجهُك عن حوض محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم دخل النار بعد ذلك بعطشه, فبينا هم كذلك؛ فزعوا إلى آدم -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع في الراحة من مقامهم, وإلى