فهرس الكتاب
يمكن القول بأن حركة إنصاف المرأة لا يمكن أن تتم إلا بتوافر ذلك الشق المعرفي الذي يهدف بوضوح ودون التباس إلى تفكيك التاريخي البشري عن النصوص المقدسة المجردة، وتطهير الأصول والمصادر الإسلامية من قرآن وسنة مما ألصق بها من عناصر بشرية تأويلية، وبناءات فكرية مصدرها الحقيقي هو الأعراف والآراء والانحيازات البشرية.
خصائص المعرفة النسوية الإسلامية
في تصور مبدئي لخصائص معرفة نسوية إسلامية يمكن الإشارة إلى الأبعاد التالية لتلك المعرفة الناشئة:
أولا: أصالة المكون الميتافيزيقي جنبًا إلى جنب مع المصادر المادية للمعرفة:
وهذا خلاف جوهري مع مرتكزات المعرفة النسوية الغربية التي تعتمد العقل البشري والخبرة المادية والإنسانية مصدرًا وحيدًا للمعرفة، سواء في ذلك علاقات الإنتاج أم الخبرة المادية الجسدية للمرأة... إلخ. في المقابل فإن المنظور الإسلامي ينبثق من الاعتراف بالأبعاد الغيبية (ما وراء الطبيعية) ممثلة في الخالق المعبود جل شأنه، وهو مصدر أساسي للمعرفة والحكمة من خلال الرسالة والدين والشريعة؛ فالمعرفة الميتافيزيقية ليست في المنظور الإسلامي معرفة هلامية غير محددة الأبعاد، بل هي منظومة متكاملة للحياة، وأصل الكون وغاية الوجود الإنساني، وعلاقته الطبيعية وما وراءها ثم مصير الإنسان. كما أنها بالنسبة للإنسان المسلم محددة في"نص مقدس"-لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- يتضمن نسق العقائد والأحكام.
بالإضافة لهذه المعرفة ومن منطوق النص المقدس ذاته تأتي المعرفة المادية والتاريخية مصدرًا أساسيًّا بدوره: للعلم والتذكر والتدبر والتأمل والتفكر والفهم واستنباط الدروس. وقد دعانا الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه إلى النظر في الآفاق وفي أنفسنا، وإلى النظر في الكون والمخلوقات وسير السابقين واستنباط الحكمة من ذلك.
ثانيًا: إن المعرفة النسوية الإسلامية تستند إلى إطار مرجعي عقدي أكبر:
في هذا الإطار هي تقترب -تصنيفًا- من الاتجاهات النسوية الليبرالية والماركسية، وتتباعد عن الاتجاهات النسوية ما بعد الحداثية التي ترفض المعرفة ما قبل النسوية. والمعرفة النسوية الإسلامية هنا قد تواجه ما تواجهه المدرستان المشار إليهما من معضلات تتمثل في خضوعها لسلطة تلك المنظومة المرجعية.
وإذا كانت تلك السمة مصدرًا للضعف أو الانتقاد في المثلين السابقين -كون هاتين المدرستين نتاج فكر بشري قاصر أُسس وفق منظومات انحيازية تعكس القصور والتاريخانية وسمات الانحياز الذكوري والأبوي- فإن التماس العدل المطلق الذي ننشده في المنظور الإسلامي يقتضي هنا ويؤكد أهمية التمييز الواضح والحاسم بين المقدس الثابت من ناحية، والتاريخي النسبي من ناحية أخرى؛ حيث المصادر الأخيرة للمعرفة (البشرية النسبية) التي نُسجت حول الأصول (القرآن والسنة الثابتة) هي المجال المتوقع لدخول وتغلغل الانحيازات النوعية ضد أو مع جنس بعينه من البشر.