فهرس الكتاب
الشرق.. وعقلية التحجب
فالصورة في الشرق مختلفة عنها في الغرب؛ فالحجاب جزء من الهوية الثقافية، وسمة مميزة للشرق، وعقلية التحجب مكون أساسي من مكونات الشخصية الشرقية، ولا يمكن أن يجنح الخيال بإنسان فيرسم صورة للشرق من دون حجاب، كما أنه لا يخطر ببال المسلمة وهي ترتدي الحجاب تلك السخافات الغربية المتعلقة بالقهر، وبأنها مكرهة على ارتدائه (المثال الأفغاني بغض النظر عن شكله"الثقافي"لا يزال ماثلا في الأذهان) ، وإنما يخطر ببالها أنه أداة شرعها الله للحفاظ على قدسية جسدها وخصوصيته، وأن غايته ضبط العلاقة بين الجنسين بالابتعاد بها عن عنصر الإثارة.
ووفقًا للتصور الإسلامي فإن للملابس فلسفة خاصة تستند إليها"فلسفة العفاف"، وغايتها ليست ستر البدن فقط، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقولها:"وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ" [الأعراف: 26] ، وفي هذا الإطار لا يعد الحجاب زيا لطبقة خاصة، أو زي الفقر والعوز ترتديه من لا تستطيع مواجهة تكاليف عصر ما بعد الحداثة، أو زيا فولكلوريا تراثيًّا يحمل معنى التمسك بتقاليد بالية. بل هو زي عقائدي، يحمل قيمة دينية، ومظهرا لثقافة خاصة (يختلف شكل الحجاب بين الدول الإسلامية بحسب الثقافات، لكنه يتفق على"ستر"حدود ما يُعتبر عورة شرعًا) ، والتمسك به يعني تمسكا بالتشريع الإلهي في مواجهة محاولات التشريع الوضعية من قبل حضارة تستهدف قولبة البشر، وإعادة صياغتهم وفق منظورها الحضاري الذي تراه المنظور الوحيد الجدير بالتعميم طوعًا لا كرهًا.
حجاب.. لا حَجب
وإذا كان الإسلام قد شرع الحجاب؛ فإنه لم يشرع الحَجب -بمعنى المنع- عن مخالطة الرجال وإبقاء المرأة حبيسة دارها، لا تغادرها، ولا تسهم في دائرة الحياة العامة؛ إذ لو كان الأمر كذلك فلمَ شُرع الحجاب؟ وقد ثبت في السنة الصحيحة أن النساء كن يحضرن إلى المسجد للصلاة، الذي ضم صفوف النساء كما ضم صفوف الرجال من دون حجاب حاجز، وكذلك جلست المرأة إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلمة ومتحدثة ومقاتلة في الغزوات ومهاجرة بدينها إلى الحبشة، كما عرف عنها أيضا اشتغالها بأعمال الطب والتجارة والتعليم وغيرها من الأعمال التي أتيح لها الاضطلاع بها.
ورغم ذلك فقد شهد الإسلام في عصوره اللاحقة ممارسات تعد -بحق- ارتدادا عن تلك الممارسات التي شهدها عصر النبوة، وذلك بفعل التباس الثقافي بالديني، وتفشي الترف وكثرة الجواري، والاختلاط مع أجناس غير عربية، ومحاكاة نظمها الإدارية والاجتماعية؛ وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تهميش وتغييب المرأة، ودفعها للانزواء داخل بيتها وحصر كل اهتماماتها داخله، وتخليها عن أي اهتمامات أو أعمال يمكن أن تُمارس خارجه؛ وهو ما يعني أن التغيرات المجتمعية التي اعترت المجتمع الإسلامي هي التي أدت إلى تقسيم العمل على النحو الذي نعرفه (داخل البيت وخارجه) ، وإلى إفراز تلك الصورة النمطية المختزلة عن المرأة، ولا يعني شيوع تلك الصورة وتاريخيتها أننا أمام تشريع إسلامي بل أمام ثقافات تتفق وتختلف مع التشريع.