فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 634

لكنها ليس بالضرورة أن تكون أقل من الثورات اللاحقة. لذا فالثورة الليبية اليوم تستحوذ على مركز القيادة، وتتحمل مسؤولية استمرار الثورات العربية. وعليه فإن مطالبة الغرب فيما يخالف مصالحه تبدو مضيعة للوقت، أو وقوع في شرك الأماني الزائفة. ولا ننسى، في هذا السياق، أن قرار العقوبات الصادر عن مجلس الأمن منح القذافي الوقت اللازم لضرب الثورة وليس محاصرته أو التضييق عليه. لكن إذا فشل في مهمته، وتقدَّم الثوار فقد يجد الغرب نفسه ملزما بالإسراع في إزاحة القذافي حفاظا على مصالحه أو ما تبقى له من ماء الوجه.

-أما موقف المجلس الانتقالي حين طالب الغرب، فقط، بتوجيه ضربة جوية أو تحييد سلاح الطيران، فهو موقف تفرضه احتياجات الناس النفسية والموضوعية بضرورة تحييدهم والدفاع عنهم والتخفيف من معاناتهم. وهو أيضا موقف فاقد الحيلة خاصة أنه لا يحظى باعتراف دولي ولا حتى عربي. وحتى، إنْ مثلت، توصية مجلس التعاون الخليجي المطالبة بفرض حظر جوي غطاء سياسيا للمجلس الانتقالي فلن يكون من السهل تجاوز الموقفين الروسي والصيني. وفي المحصلة من الخطأ الفادح إحالة وقائع الثورة الليبية إلى مجلس الأمن الدولي أو أية هيأة دولية.

-لهذا فإن مواقف الثوار، في ضوء المقابلات التلفزيونية والشهادات الميدانية، تبدو أشد صلابة من أية فئة اجتماعية أو سياسية في إصرارها على إسقاط القذافي أو الموت دون تحقيق هذا الهدف، بعيدا عن أية توسلات من هذه الجهة أو تلك. موقف هذه الفئة يرى أن أية ضربة جوية لقوات القذافي لا شك أنها تساعد الثوار ميدانيا لكنها لا تلزمهم، بالضرورة، بأية توابع سياسية. فالثوار لم يطالبوا الغرب في التحرك، ولن يستطيعوا منعه إنْ فعل. وهو موقف أقرب إلى الموقف الشرعي بالمقارنة مع الفئة الأولى الواقعة تحت التأثير العاطفي، أو الفئة الثانية الواقعة تحت ضغط الاحتياجات الاجتماعية.

إذن خلفيات المواقف تتباين. لكنها أبعد ما تكون عن الرغبة في أي تدخل أجنبي يُخشى أن ينتهي بحمام دم في ليبيا، وأبعد ما تكون عن أية حركة غير محسوبة قد تنال من طهارة الثورة أو تشوهها أو تلحق بها العار جراء التدخل الأجنبي.

والحقيقة أن الغرب، الذي دخل على خط التدخل في الثورات العربية، عبر مجلس الأمن، لا يمكن أن يكون صادقا في حقن الدماء وهو الذي طالما أراقها بالملايين في بقاع الأرض قاطبة. فلماذا يحقنها في ليبيا وهو الذي ما زال يسفكها في أفغانستان والعراق والصومال والشيشان والصين وباكستان ونيجيريا؟!! لماذا يحقنها وقد سفكها في هيروشيما وناغازاكي وأوروبا بعشرات الملايين؟ أما التعويل على المواقف العربية فهو أقرب ما يكون إلى علامات الساعة. إذ ما من منطق يلزم النظم العربية بالتدخل لنصرة الليبيين في حين أنها المستهدف الأول من الثورات الجارية. وما من منطق إلا ويؤكد أن انتصار النظم العربية للقذافي هو الأقرب إلى العقل والمنطق، لاسيما وأن تصريحات الثوار تتهم دولا مثل سوريا والسعودية والجزائر وغيرها بتقديم الدعم المادي والشرعي للنظام الليبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت