فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 634

الدولي في لندن"شاتام هاوس"يقدر الأرباح ما بين 18 - 30 مليون دولار، لكن وزير الخارجية الكيني يتحدث عن 150 مليون دولار حققها القراصنة في اثني عشر شهرا من نشاطهم، ومع ذلك لم تصل المشكلة مع القراصنة إلى حد الاستئصال كظاهرة بقدر ما يبدو أن التوجهات تسير باتجاه تنميتها إن لم يكن تقنينها بصيغة اتفاق عرفي يأخذ بعين الاعتبار العناصر المستجدة على قواعد اللعبة. ففيما خلا بعض العمليات التي أدت إلى مقتل بعض القراصنة كما حصل في حادثة تدخل البارجة الهندية فالبقية ممن تعتقلهم القوات الأجنبية يجري تسليمهم لأثيوبيا أو كينيا أو الحكومة الصومالية حين اعتقالهم وفق ضمانات من الحكومات بعدم الإساءة إليهم وتمكينهم من محاكمات عادلة؟ فمن الذي من مصلحته تأمين المنطقة إذا كانت الدول الكبرى هي نفسها راعية الجريمة؟ وهل تأمين الملاحة الدولية يخرج عن نطاق حماية المصالح في منطقة باتت القوى الدولية تتعامل معها وكأنها حقا من حقوقها؟ فهل حقا تسعى القوى الدولية ومؤسساتها القانونية إلى ترميم الوضع الصومالي؟ لكن هل الدول العربية بريئة مما يجري؟ لنرى!

ثالثا: تخريب الصومال

تشبه وضعية الصومال منذ سنة 1991 وضعية المشاع القروي بأدق تفاصيله. وهو أسلوب قديم في الانتفاع بالأرض ما زال معمولا به في كثير من المناطق الريفية. ويتعلق بالأراضي ذات الملكية المشتركة بين سكان القرية، حيث يجري توزيعه على الفلاحين بموجب معايير متفق عليها بين السكان، تستقر مع مرور الزمن لتغدو شبه قوانين ملزمة. وليس لدينا أدنى شك أن الدول الغربية هي من صاغ هذه الحالة للصومال كمقدمة لصناعة نموذج يمكن تعميمه على الدول التي تشهد فسادا ضاربا في الأرض. ولعل الفساد في اليمن والسودان ضرب المجتمع والدولة على السواء مما يجعلهما أكثر البلدان العربية المرشحة لهذا النمط من الأنظمة المستحدثة في مراحل لاحقة، على أن يمتد إلى دول أخرى ليست السعودية ومصر بمنأى عنه. لنرى كيف تمت صياغة النموذج في الصومال.

فمنذ انهيار نظام سياد بري بدأت البلاد تتفكك سكانيا وتتفتت جغرافيا وتستباح في ثرواتها ومواردها تدريجيا حتى وصلت إلى مرحلة القرصنة. وحين وصلت المحاكم الإسلامية إلى الحكم استطاعت عبر جناحها العسكري السيطرة على البلاد وضبط الأمن وسط شعبية جارفة حتى على مستوى الشعوب العربية التي استبشرت خيرا. لكن الوضع لم يرق للدول الكبرى وخاصة للولايات المتحدة التي عاجلت الاستقرار في الصومال بالفوضى والدمار عبر حرب الوكالة التي خاضتها أثيوبيا بالنيابة. فلو كانت الدول الكبرى وحتى الإقليمية والعربية جادة في المحافظة على الصومال لتركت المحاكم في السلطة ولما أسقطتها. فبأي حق أو مبرر أو منطق تسعى الولايات المتحدة الآن إلى تمكين المحاكم عبر التفاهم على تقاسم السلطة مع الحكومة الصومالية؟

ليس هذا فحسب؛ فلأن المشاع الصومالي بات ملكية مشتركة لها فقد منعت أي استقرار فيه لدرجة أنها حالت حتى الآن دون تمكين حكومة الرئيس عبد الله عيسى من تحقيق أي إنجاز رغم كل ما قدمته من خدمات وولاء مطلق للغرب والاحتلال الأثيوبي، وحتى لو كانت الولايات المتحدة جادة في تأييد الحكومة ودعمها لما كان معظم أعضائها ورجال برلمانها عبارة عن كومة من الفاسدين والمفسدين ممن يوالون أثيوبيا والغرب أكثر من ولائهم لأوطانهم أو حتى لقبائلهم. وليس صحيحا أن الولايات المتحدة تراهن على هؤلاء في استقرار البلاد بقدر ما تراهن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت