فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 634

أخبث المؤامرات

بدأت حركة الاحتجاج الشعبي بتونس تتضخم بشكل سريع لم تترك للحكم مجالا لأي تفكير. لكن الحكم الذي اعتاد القتل أصلا، واتخذ القمع والاضطهاد دينا له، لم يتوانى عن ممارسة القتل العشوائي والمنظم عبر فرق القناصة التي نشرها في كل زاوية. لم يكن الشعب التونسي من بدأ القتل، ولم يكن التونسيون ليمارسوه، فالنظام هو الذي سفك الدماء المعصومة وهو الذي استباح الحياة.

حين بدأت الانتفاضة كانت المطالب الأولى تتعلق بتوفير فرص العمل لتشغيل العاطلين خاصة ممن يحملون شهادات جامعية. ثم في مرحلة لاحقة تطورت إلى الحديث عن ظلم في توزيع الثروة والدخل بين الشمال الساحلي الغني والجنوب المهمش، لكن احتجاجات الشمال قالت بأن الحال من بعضه، فليس الشمال بأقل ظلما من الجنوب. وهكذا صارت المطالب ذات طابع شعبي تتعلق بالتنمية الشاملة. لكن المطلب الأهم الذي فجر الغضب المكبوت في صدور التوانسة كان يقع في مضمون الشعار الذي طالب باستعادة الكرامة المهدورة. وتبعا لذلك لم يعد من الممكن بقاء الرئيس في السلطة. هنا استفاق بن علي و «فهم» مطالب الناس على حد قوله، لكنه «فهم» أكثر أن الأوان قد فات. وبعد رحيله المخزي من البلاد صارت المطالب تؤول إلى تصفية إرث الرئيس من اقتصاد وأمن وحزب شمولي ونظام سياسي. هكذا بدت الاحتجاجات التونسية تتخذ شكل ومحتوى الثورة الشاملة التي تسعى لاقتلاع جذري لكافة القوى المادية والمعنوية للنظام السابق ومن يدور في فلكها.

حين بدأت الانتفاضة أيضا كادت الأوضاع تنفجر في كل من الجزائر وليبيا وموريتانيا. وكان الغرب والولايات المتحدة يدركان أن الأمور قريبة من الانفلات الشامل في المنطقة. وإذا حصل هذا سيعني انفلاتا في كافة الدول العربية.

الرائج أن بن علي هرب مهزوما مدحورا، وأنه لم يجد من يؤويه لا من الأوروبيين ولا غيرهم من العرب. ولسنا نعارض ذلك مبدئيا. فلطالما تخلى الغرب والطغاة عن أدواتهم. لكن هذه التصريحات ليست سوى ما نقله الإعلام الغربي والمحلي. أما التبصر في الواقع فيفصح عن أمور بالغة الخطورة على مستقبل الثورة التونسية وليس على وقائعها الماضية.

فالمعلومات المتداولة في ضوء التسريبات وردود الفعل والبيانات الرسمية والتصريحات ذات الصلة والوقائع الميدانية تؤكد على مؤامرة دنيئة وخبيثة جرى تنفيذها على مسارين في تونس قبيل مغادرة بن علي التي كانت محسوبة بدقة بالغة. مسار النظام السياسي البائد والمدعوم عربيا، ومسار القوى الغربية وفي مقدمته فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت