فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 634

ومؤلمة ومشينة، أمام الأهل والذرية، وفي الشريعة والقانون، حتى أن الانتفاضة بدت شبه خالية من العنصر النسائي.

صحيح أن الشرارة كانت اقتصادية لكن عمق الفعل لم يكن له أية علاقة بالخبز ولا بالتشغيل بل بالكرامة. فكان أبلغ شعار رفعه التونسيون هو: «بن علي يا جبان .. تونس تونس لا تهان» . وبدا أنه آن الأوان لتصفية الحساب مع «عصابة المافيا» التي حكمت تونس بحسب وثائق الويكيليكس. عصابة لم تدرك الكرامة ولم تعرف لها طعم ولا معنى في يوم من الأيام، فكان سهلا عليها أن تمارس ليس السرقة فحسب ولا السطو على الحقوق ولا مصادرتها بل النهب المنظم لمقدرات البلاد ومصادرتها، وإذلال العباد دون النظر في المحرمات، وممارسة الغطرسة والاستعلاء والتمييز وإشاعة المحسوبية والفساد بلا حسيب أو رقيب، وممارسة التعذيب الفتاك في السجون والمعتقلات، وانتهاج القتل العمد بلا أي رادع، وتهجير الناس خارج بلادهم، ومطاردة من في الداخل على مدار الساعة والدقيقة، ومحاربة الدين والإسلام وازدرائهما بلا هوادة، وإشاعة الفاحشة والانحراف الخلقي بين الناس بأبشع صور الرذيلة وأشدها انحطاطا، وجعلها من أبرز شروط الحداثة والتقدم وشهادة براءة من التخلف وعلامة على السلوك الحسن! حتى اتخذ بعض الناس من المجاهرة في المعاصي وارتكاب الفواحش على مرأى الحاكم وسائل ناجعة للتخلص من مضايقات السلطة وظلمها.

ليس عجيبا أن تنتفض تونس وتفاجئ العالم أجمع، بل أنها فاجأت بن علي نفسه، وفاجأت القوى السياسية والاجتماعية، وفاجأت المحللين والمراقبين، وكشفت عن عمق الشخصية التونسية وشجاعتها الفذة وإصرارها على تحقيق أهدافها حتى لدى التونسيين أنفسهم. لكن العجيب حين تدير الثورة ظهرها لكل هؤلاء بحيث يتقدم الشعب .. كل الشعب لتكون له كلمة الفصل بعيدا عن أية وصاية من أية جهة كانت. إنه حقا تدخل اجتماعي أسقط كل الحسابات والمعايير والآليات والأدوات التقليدية، بل أنه أسقط كل المناهج ونظريات التغيير الحزبية والأيديولوجية والوضعية التي ثبت بؤسها، وأسقط كل وصاية أو تدخل من الخارج، وأسقط فتاوى طالما روجت لسيادة الطغاة والطغيان بقصد أو بدون قصد.

الطاغية والطغيان

قالوا عنه، كما قالوا عن غيره وما زالوا يقولون، إنه ولي أمر تجب طاعته .. وصدعوا رؤوس الأمة بفتاواهم الظالمة بعدم جواز الخروج على ولي الأمر حتى لو أكل مالك وجلد ظهرك!!! حتى لو كان فاسقا أو ماجنا أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت