يتبع ...
سآوي إلى جبل يعصمني!
د. أكرم حجازي
صحف - 21/ 6/2008
قبل نحو ستة سنوات مضت قال لي رجل من العامة ليس له من السياسة أي نصيب:"لقد ثبت أننا أمة عاجزة عن حكم نفسها بنفسها، وهي الآن تحتاج إلى وصاية". واليوم كل المؤشرات والملامح تدل على أننا قاب قوسين أو أدنى من الخضوع لما هو أسوأ من نظام الوصاية. إنه باختصار"نظام الحماية"المعدل كي يتناسب مع العصر الذي نعيش. والحقيقة أن الأمر لا يبدو مثيرا للنظام السياسي العربي ولا يبدو كذلك حتى للعامة من الناس الذين يفكر الكثير منهم بمنطق اللامبالاة التامة فيما يجري من حوله أو بمنطق:"سآوي إلى جبل يعصمني"!
ما يجري في المنطقة حقا وحقيقة هو إعادة ترتيب سايكس بيكوي لها مطابق بالتمام والكمال لما جرى لها في بدايات القرن العشرين. فالظروف هي هي لم تتغير، فساد ... فقر ... جوع ... غياب للطموح ... أمة بلا مشروع ... احتلالات مباشرة وغير مباشرة تسبق التقسيم الجديد للمنطقة ... تهديدات من كل حدب وصوب ... قوى عالمية جارفة تتصارع علينا كالفرائس أو الطرائد الهائمة في القفار ... وكما كنا في خضم الحرب العالمية الأولى نفاوض بريطانيا وفرنسا ونتآمر على الإمبراطورية العثمانية ونحيك الدسائس الكفيلة بهدها ترانا اليوم في نفس الزمن وكأن شيء لم يتغير. قبل سايكس بيكو (1916) كانت معظم البلدان العربية محتلة وخاضعة لنظام الحماية، ثم جاءت سايكس بيكو لتثبت ما فعلته طوال قرن مضى وتكمل التقسيم عبر صكوك الانتداب، ولتهدم في الأساس نظام الخلافة. أليس هذا هو حالنا الآن؟
لو ألقينا نظرة على قضايا المنطقة سنرى أنها تشهد نشاطا سياسيا محموما يستهدف من جهة ضبط الساحة اللبنانية وفكفكة قضية الجولان السوري المحتل عبر المفاوضات السرية الجارية بين إسرائيل وسوريا، ومحاولة ترتيب البيت الفلسطيني عبر التهدئة ووقف المقاومة تمهيدا لحل سياسي معين وفقا لمعطيات المرحلة الراهنة بحيث تقبل به الأطراف الفلسطينية كافة بقطع النظر إن كان مرحليا أو دائما، فالنشاط المصري والتنسيق مع إسرائيل والقوى الفلسطينية ليس من المستبعد أن ينتهي بتأميم قطاع غزة ووضعه تحت الوصاية المصرية، أما تصريحات مستشار جون ماكين المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية باعتبار الأردن وطنا بديلا فليست خارج هذا السياق من الترتيب.