وما من شك فإن كل من شاهد الشريط لفت انتباهه شخصية الشيخ أسامة وهو يبدو متسمرا في موضعه إلا من بعض حركات يديه دون أن تتجاوز حيزها، كما أن صورة الشيخ نفسه تغيرت ليس فقط بلون اللحية بقدر ما بدا التغير الأكبر ظاهرا على ملامحه كما لو أنه تقدم بالعمر سنوات طويلة، ولولا أن صوته بدا أكثر حيوية من محياه لقلنا أن الشيخ غلب عليه الهرم. وفي المحصلة ثمة أكثر من تساؤل يثيره الشريط الشاحب والخالي من أية تقنية، فلماذا تلجأ السحاب إلى تقديم الشيخ أسامة بهذا القدر من الضعف الفني بينما تملك قدرا كبيرا من التقنية والمهارة؟ وإن كانت الرداءة قد مزجت بين الصورة والصوت بحيث بدت الصورة متحركة حينا وساكنة حينا آخر فأي تبرير يمكن أن تقدمه السحاب لهذا الاختيار؟
إذن قرابة الثلاث سنوات احتجب الشيخ عن الظهور في أي شريط مرئي، ولأكثر من سنة احتجب عن أي ظهور صوتي. وأطلق بذلك العنان للتكهنات والظنون والشكوك التي حامت كلها حول مصيره وما إذا كان حيا أو ميتا. وجهدت وسائل الإعلام والأمن خاصة في اللعب على وتر الاستفزازات علها تدفع الشيخ للظهور ولكن دون جدوى على الرغم من أن إصراره على الاحتجاب استفز حتى مناصريه الذين أخذوا يمنون النفس برؤيته ولو لمرة واحدة بالنظر إلى هول الأحداث التي عصفت في الجهاد في مناطق عديدة خاصة في العراق.
لا شك أن الشيخ صمد فترة من الزمن كان يتوجب عليه الظهور فيها لطمأنة العامة والخاصة من أنصاره ومحبيه، وليس معلوما إلى الآن ما هي مبررات هذا الاختفاء، وأحسب أن أحدا لا يمكنه التكهن في المسألة على أهميتها. فهل هو احتجاب أملته الظروف الأمنية؟ أم ظروف صحية؟ أم مبررات شرعية من نوع فحص مدى ثبات التيار الجهادي العالمي وتمييز الخبيث من الطيب فيه؟ أو هو إعطاء الفرصة لقيادات جديدة كي تظهر وتدير دفة الأمور بما أن الجهاد ليس حكرا على بن لادن وغيره؟ كلها مسائل لا تخرج عن مبدأ الاحتمال طالما أن أصحاب الشأن لم يصرحوا بها. والأهم في هذه الخفايا أنها تكشف إلى حد كبير عن قدر رفيع من الأمن والسرية التي يصعب التكهن بها خاصة إذا جاءت من تنظيم كالقاعدة.
لكن المؤكد، من الشريط، أن بن لادن متابع للأحداث العالمية والمحلية بشكل واضح، فهو قد أشار إلى قضايا كثيرة تؤكد حرصه على المتابعة منها قضايا الاحتباس الحراري والعولمة والرأسمالية والمجتمع الأمريكي وأزمة الرهن العقاري وحتى لكتابات مفكرين وساسة وأمنيين أمريكيين مثل مايكل شوير ونعوم تشومسكي. وبالتأكيد أيضا أنه تابع بأدق التفاصيل وقائع الجهاد في مناطق عديدة من العالم خاصة في العراق والفتنة التي يتعرض لها المشروع الجهادي هناك والمصاعب التي تواجهها دولة العراق الإسلامية جراء اتساع جبهة الأعداء والخصوم لها، كما أنه تابع، ولا شك، الهجمات التي تعرض لها د. أيمن الظواهري خاصة من جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وبعض الشخصيات المحسوبة على الجماعة فضلا عمن طالبه بالتدخل للتحكيم وإبداء الرأي فيما يتعلق بالصراع بين دولة العراق وخصومها من الجماعات الجهادية كالجيش الإسلامي وكذا الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء السنة علاوة على من تجرأ على تهديده مثل أبو أسامة العراقي والذي تقول بعض المصادر أنه أحد قادة الحزب الإسلامي