منذ عقدين على الأقل تتعرض الأمة إلى سلسلة اعتداءات صارخة على كياناتها وعقائدها وحقوقها. ولم يكن التحرك الغربي الصهيوني المعادي للأمة في الأسابيع الأخيرة ليأتي ردا على طائرة ديترويت. فما تعرضه الولايات المتحدة وإسرائيل على الأمة هو الاستسلام المهين بأبشع صوره، وهو ما سبق أغلب الأحداث المشار إليها أعلاه. فالقبول الأمريكي بالأطروحة الإسرائيلية الرافضة لوقف الاستيطان في فلسطين قبل بدء المفاوضات، وكذا الإعلان المصري عن الشروع ببناء الجدار العازل بين غزة ومصر بحجة السيادة وضبط الحدود ومنع تدفق المخدرات إلى مصر من غزة ليسا سوى موقفين سبقا طائرة ديترويت وعملية خوست. وكلها تكشف عن سياسات وحشية لفرض الاستسلام على الأمة بالقوة الغاشمة. أما سلسلة الفتاوى المنحرفة التي حاولت التشريع لبناء الجدار ممن لا مشروعية لهم أصلا فلا تعدو أن تكون سفاهة تعكس مدى سفاهة السياسات العربية التي صمتت، عجزا أو تواطأ، على المشروع الأمريكي الصهيوني صمت القبور. فالعرب لا يريدون مقاومة ولا جهادا، ولم يعد عجيبا أن يكون الجهاد يتيما في الأمة، على المستوى الرسمي، خاصة بعد التدخل الأمريكي في ساحاتها حتى قبل 11 سبتمبر. وبهذا المعنى فالمشروع الوحيد المطروح على الأمة هو الخيار الأمريكي الإسرائيلي بكل ما يتمخض عنه من ذل ومهانة وتحقير للأمة ولدينها.
لذا لا يحتاج معتوها في الأمة إلى أدنى جهد لكي يدرك أن هذا المشروع يستهدف ضرب كافة الساحات الجهادية والمقاومة في الأمة وفرض الاستسلام عليها. فإذا ما استكمل بناء الجدار وأحكم إغلاق القطاع فسيكون أمام حركة حماس والقوى الجهادية في غزة إما خوض معركة مصيرية أو الاستسلام لعمليات الاستنزاف العقدي والسياسي التي جلبها معه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والداعية إلى قبول حل الدولتين والاعتراف بالمبادرة العربية للسلام إذا ما أرادت حماس رفع الحصار وتدفق الأموال والمساعدات على غزة. فبحسب خطط الأمريكيين واليهود لن يستطيع قطاع غزة الاستمرار أكثر من شهرين إلى ثلاثة شهور إلا وقد استنفذ ما لديه من مخزونات غذائية ودوائية، وحينها سيكون معرضا لفوضى عارمة يمكن من خلالها إسقاط حماس واحتلال القطاع مجددا. وفي مثل هذه الحال من الأولى بحماس العودة إلى مربع الجهاد الأول حيث مشروعيتها التاريخية والعقدية والراهنة والمستقبلية بعيدا عن السلطة والسياسة وإلا فقد تفقد مشروعيتها إذا ما قبلت بالأطروحة المعروضة عليها.
ونفس الهجمة تتعرض لها اليمن التي يراد وضعها تحت الوصاية الدولية عبر ضخ المزيد من القوات الأمريكية فيها لكن هذه المرة بموجب توصيات مؤسسة راند التي تدعو إلى التركيز على قوى النخبة الأمنية واستبعاد القوات العسكرية عن أعين العامة من الناس لما تمثله من استفزاز لهم مع الإبقاء على قوة خاصة تتدخل عند الضرورة. هذا هو الواقع القائم الآن في اليمن أكثر من أي وقت مضى، وهو واقع تدافع عنه السلطة الحاكمة وتتأمل به الخير! ورغم وضوحه على الملأ حتى في تصريحات الساسة الأمريكيين بدء من الرئيس الأمريكي وانتهاء بضباطه ووزرائه إلا أن موقف العلماء جاء غريبا وهو يهدد بإعلان الجهاد إذا ما تدخلت القوى الغربية في اليمن عسكريا أو أمنيا، وكأنهم لم يسمعوا بها ولم يروا بعد أسراب الطائرات التي تسرح وتمرح في سماء البلاد ولا صواريخ البوارج الحربية وهي تقصف الأهداف ليلا ونهارا.