بن لادن: خطاب الحسم والتوجيه الصارم
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
بعد غياب طويل نسبيا امتد ما بين تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2004 إلى حد يوم الجمعة الماضي، إلا من بضعة رسائل صوتية كان آخرها في تموز / يوليو سنة 2006، ظهر الشيخ أسامة بن لادن في شريط مرئي قالت مصادر إعلامية أنه أمكن اعتراضه قبل بثه فيما تؤكد مصادر الشبكات الجهادية أنه تم توزيعه على المحطات الفضائية ضمن استراتيجية خاصة لمؤسسة السحاب. وأيا كانت الحقيقة في ذلك فما أن أعلنت شبكة الإخلاص عن قرب بث الشريط حتى شهدت الشبكات الجهادية ووسائل الإعلام استنفارا غير مسبوق وهي تترقب الشريط الذي طال انتظاره خاصة وأن ملابسات عدة اكتنفت مصير الشيخ 2006. ولئن كان مجرد ظهوره هو الحدث بعينه إلا أن الإحاطة بالشريط عبر تحليل شامل له من حيث مواصفاته ومحتوياته وردود الفعل عليه مسألة على قدر كبير من الأهمية خاصة وأن الانطباع الأول يشي بتجاهل معتبر له ليس معروفا إن كان السبب في ذلك مباغتة السحاب لوسائل الإعلام أم أن دوافع سياسية تقف خلف التجاهل أو أن ملفات الشريط الظاهرة والخفية بدت عصية على الفهم والتحليل.
لا شك أن جوانب التحليل للخطاب كثيرة، ولا ينبغي أن يمر دون نظر لأكثر من مرة خاصة وأنه الأول منذ ثلاث سنوات والأهم في صدوره على الأقل في توقيت عير محسومة أسبابه ولا هي معروفة مبرراته. وسنقتصر في التحليل على ثلاثة جوانب فقط لوضع الخطاب في أقرب الأطر للفهم.
أولا: المواصفات الفنية
اعتادت وسائل الإعلام ومعها المراقبون والباحثون والمجاهدون وأنصارهم على تلقي مواد إعلامية ذات مواصفات فنية عالية من مؤسسة السحاب وصلت إلى حد استخدام التقنيات التوثيقية والأرشفة بمهارة لا تقل عن مهارة وإمكانيات أعتى المؤسسات الإعلامية. وقد لاحظنا مثل هذه التقنيات الرفيعة في أشرطة المؤسسة لاسيما المقابلات التي أجرتها مع د. أيمن الظواهري وأبو الليث الليبي وأبو اليزيد القائد العسكري لتنظيم القاعدة، وظهرت في هذه الأشرطة فنيات متقدمة ومبهرة سواء من حيث الجودة العالية أو من حيث تقنيات الإخراج من خلفيات وإضاءة واختيارات متناسقة للألوان فضلا عن استعمال فلاشات صوتية أو مرئية مترافقة مع الصورة بما يرفع من جرعة الجاذبية والتشويق، لكن في الشريط الحالي فقد لاحظنا اختفاء أي طابع فني من أي نوع كان فضلا عن تميز الشريط بقدر كبير من الرداءة حتى في تقطع الصورة المرئية صوتيا.