الأرجح أن الأمريكيين يتجهون الآن نحو تثبيت مشروع الصحوات عبر عدة آليات كفيلة بجعله استثمارا ناجحا حتى على المستوى الفردي عبر:
-تنقية المشروع من العناصر المنفرة وإبعاد الرموز التقليدية إلى الخارج باعتبارهم أوراقا مستهلكة ومكافئتهم بما غنموا من الأموال. وفي المقابل صناعة رموز جديدة لقيادة المشروع.
-إصدار مذكرات اعتقال واتهامات بالجملة ضد الرموز التقليدية بمجرد الإيعاز لهم بمغادرة العراق، والعمل على تشويه صورتهم عبر إظهارهم على حقيقتهم كقتلة ولصوص وفاسدين بعكس صورتهم السابقة كأبطال ومحررين لمناطقهم من طغيان القاعدة والإرهابيين.
-تقديم المشروع بصورة نزيهة عبر شن حملة إعلامية لتحسين صورته والثناء على إنجازاته.
-دعوة المنتسبين للمشروع إلى تسلم رواتبهم مباشرة دون وسيط مالي مما يضمن للمنتسب انتظاما في حقوقه المالية كاملة غير منقوصة بخلاف الوضع في المرحلة الأولى حيث عمد قادة الصحوات إلى تأخير صرف الرواتب لشهرين أو ثلاثة متتالية أو الاستيلاء على نصفها كليا أو جزئيا.
أليست هذه حوافز لمشروع مستمر يجري ترقيته ورعايته كل حين؟ وهل يعقل أن تصدر مذكرات اعتقال بحق رموز الصحوة"الفارين"، بينما تعجز الولايات المتحدة عن القبض عليهم وكأنهم غادروا الغلاف الجوي؟
لا ريب أن السفر اعتنى جيدا بتوصيف حجم وبنية القوى المحلية المعادية للمشروع الجهادي وأصولها الفكرية، واستشهد، على سبيل الذكر، بكون رموز العشائر ممن بادروا بتأسيس مجالس الإنقاذ مثل حميد الهايس وأمثاله هم من القوميين والعلمانيين المعادين أصلا للإسلام، وهم أيضا:"أول من مدّ يده للمحتل في الأنبار". ولعل المتابعين لتصريحات الهايس يتذكرون دعواته الحالمة عن اليوم الذي تصبح فيه الأنبار محافظة عصرية تعج بالنوادي والملاهي الليلية والكازينوهات والحريات الشخصية وتتمتع فيها المرأة بحرية مطلقة! لا يعكر صفوها المتطرفون والإرهابيون.
بل أن السفر كاد أن يفرغ ما في جعبته من السلسلة الطويلة للعلمانيين والقوى المحسوبة على السنة وفي مقدمتهم الحزب الإسلامي وجبهة التوافق بوصفها قوى حليفة للأمريكيين ربطت مصالحها ووجودها بالاحتلال، ورحبت به، وعبرت عن استعدادها للوصول معه إلى تفاهمات طويلة الأمد. أما لماذا هي طويلة الأمد، وهذه مني، فأخشى أنها حرصت على"الاحتفاظ"بمدة زمنية كافية تطمئن فيها على انقضاء أجلها بسلام خلال الوجود الأمريكي، وإلا فهي قوى مهددة بحياتها أو بالفرار إذا ما انسحب الأمريكيون قبل أن يتوفاها الأجل! إذ أن توجهاتها السياسية وكرمها السياسي ليس له أية علاقة لا بمصالح العراق ولا بمصالح الأجيال القادمة ناهيك عن مصالح الأمة التي باتت مهددة من كل حدب وصوب بفعل الدور الذي تلعبه هذه القوى كجسر عبور للقوى الغازية والمعادية للأمة.
هؤلاء بلغة السفر هم:
]"الفريق الضخم من تحالف العملاء، والمنافقين، على اختلاف أشكاله وأنواعه، متوافقون، أو متنافسون، أو متحاربون، لا يخرجون عن دائرة العمالة للمحتل، والنفاق للمجتمع، وهم أولًا وآخرًا، عيون المحتل، واستخباراته، متلونين بكافة ألوان اللغات السياسية، والمبادئ، والقيم".