والقوى السلفية الجهادية خاصة هي حرب خاسرة بكل المقاييس، فهل من مبرر منطقي يدفع أثيوبيا لخوض حرب سبق للأمريكيين أنفسهم أن هربوا من جحيمها ومعهم القوات الإيطالية وغيرها؟ ومع أن الإجابة بالنفي إلا أنه ما من قوة كانت قادرة على الوقوف بوجه الطغيان الأمريكي الذي سبق له وجرب حظه في نفس البلاد وفرّ منها مذعورا.
أما العجيب في المفارقة فتكمن فيما تخلفه السياسة الأمريكية من غيظ يصل إلى حد القهر والإذلال العلني حتى لأصدقائها قبل خصومها. فهي تقدم، مباشرة أو عبر وكلائها، دعما مكشوفا للقوى الوطنية والإسلامية، المقبولة أمريكيا وإقليميا وعربيا كي تستطيع الوقوف بوجه القوى السلفية الجهادية. لكن حتى تحظى مثل هذه القوى بمصداقية بين العامة فلا بأس من أن تعلن حربها ضد القوات الأثيوبية طالما أن خاتمتها ستكون حكومة وحدة وطنية وليس حكومة إسلامية. أما الأثيوبيين الذين أرغموا على أن يلعبوا دور المغفلين فعليهم أن يصبروا ويتحملوا ويتذوقوا طعم المنشار الأمريكي ذهابا وإيابا، فهو من جهة يطالب أثيوبيا بتحمل مسؤولياتها في المنطقة، ويحرضها على غزو الصومال وإنهاء ظاهرة المحاكم وقتال الإسلاميين، ومن جهة أخرى يحرض هؤلاء على قتال الأثيوبيين لسحب البساط من تحت أقدام السلفيين الجهاديين. لا شك أنها معادلة قهر تفرضها الولايات المتحدة على أصدقائها وخصومها في وقت واحد وبالتساوي.
ثاني المفارقات تقع في المحاكم الإسلامية. فالجناح السياسي لها بقيادة شيخ شريف أحمد اتجه جنوبا بحثا عن حل سياسي يرضي جميع الأطراف، فكانت أولى محطاته، خلال الهزيمة وبعدها، كينيا وعبرها الاجتماع مع أركان السفارة الأمريكية فيها. بينما اتجه الجناح العسكري، في نفس الوقت، شمالا لخوض معارك طاحنة وصلت إلى المقر الرئاسي والمطار في قلب العاصمة الصومالية.
وفعليا فقد أثمرت اتصالات شيخ شريف أحمد عن سلسلة من المراهنات والتحالفات المحلية والعربية والدولية توجت بالإعلان عن تشكيل ما عرف بتحالف أسمرا. ولأن"التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال"خليط هجين من المصالح والولاءات والأيديولوجيات فقد ظهر أقرب ما يكون إلى التفكك من تحقيق أي إنجاز سياسي يذكر. بل أنه انقسم على ذاته بين توجهين على الأقل:
-أحدهما عرف بجناح أسمرا بقيادة الشيخ حسن طاهر أويس، وهذا يؤمن بالمقاومة من أجل تحرير الصومال من الاحتلال الأثيوبي. ويحتج بأنه ما من بلد:"عانت من الاستعمار تحررت بالكلام".
-والثاني هو جناح جيبوتي بقيادة شيخ شريف أحمد الذي بات يكتفي بالمفاوضات السلمية لحل الأزمة الصومالية. وبالتالي فهو يعبر عن وجهة النظر الأمريكية والغربية التي لم تعد ترى في الكفاح المسلح وسيلة شرعية لفض النزاعات الدولية أو الإقليمية.
أما الانقسام فقد وقع على خلفية توقيع اتفاقية جيبوتي (9/ 6/2008) بين الحكومة الصومالية المؤقتة وغالبية من التحالف بقيادة شيخ شريف أحمد تصل إلى 106 أعضاء من أصل 191 عضوا يشكلون إجمالي اللجنة المركزية للتحالف. وتقضي الاتفاقية التي أبرمت برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا