أن بعضهم راهن على خلاف مع الظواهري وبالتالي تمايزا عنه في الموقف، وبعضهم الآخر راهن على وفاة الرجل فمضى في عداء سافر، ومع أن محاولات التمييز استمرت حتى بعد ظهور بن لادن إلا أن الخطاب موضع النظر خيب آمال المراهنين. فالموقف من حماس لم يتغير ولو أنه جاء أقل حدة، والموقف من الحزب الإسلامي وزعيمه ومن يدور في فلكه لا يخرج بتاتا عن تقييم وموقف دولة العراق الإسلامية وقادتها، والموقف من الدولة والانتصار لها تطابق بالكامل مع مواقف كافة رموز القاعدة، وكذا الموقف فيما يتعلق بحزب الله، وقس على ذلك بقية المواقف من القضايا الأخرى.
كل التحليلات والتأويلات ركنت إلى افتراض بأن بن لادن لن يتطرق إلى دولة العراق الإسلامية إيجابا باعتبارها مثار خلافات شديدة بين الجماعات الجهادية والدولة. وهذا معطى كاف لِأنْ يحجم الرجل عن الإدلاء برأيه فيما هو مثار فرقة خاصة وأن القوى والجماعات والشخصيات زكّته ليكون حَكَما بينها. بل أن بعضها أوَّل خطابه حول"أهل العراق"وذهب به مذاهب شتى كالزعم بأنه اعترف بأخطاء القاعدة في العراق بمنآى عن الجماعات الأخرى أو أنه لم يعترف بدولة العراق الإسلامية بدليل أنه لم يأت على ذكرها، أو أنه تجاهل حتى أي ذكر لقادة القاعدة ومن بعدهم دولة العراق الإسلامية، وأن مثل هذه التأويلات بعد الغياب الطويل مع تكرر ثلاث خطابات سابقة على خطابه الحالي خلّفت انطباعا بأن الرجل فعلا يبدو أبعد ما يكون عن التصدي لموضوع هو مثار الخلاف الأول حتى أن المتحدث باسم الجيش الإسلامي د. إبراهيم الشمري مضى أبعد من الركون إلى مطالبة الشيخ أن يستبرئ لدينه وتاريخه من ممارسات القاعدة في العراق فإذا برياح السياسة الشرعية تأتي بعكس ما تشتهي أشرعة المراهنات على الأوهام. فالسلفية الجهادية بعكس ما دونها من الجماعات السياسية لا يمكن لها أن تخضع لسطوة السياسي أو الوطني على حساب التشريع الديني والاجتهاد الفقهي لأنها ببساطة جماعة دينية، ولو كانت دون ذلك لما اضطر بن لادن للرد على الطعون التي رُمي بها إعلان دولة العراق الإسلامية ولسقطت عنها صفة الجماعة الدينية الساعية إلى تحكيم الشريعة واستعادة الخلافة كنظام للحكم بديلا عن الأنظمة القائمة.
لهذا نجد أنفسنا مضطرين المرة تلو المرة إلى التأكيد بأن خطابات تيار الجهاد العالمي لا تخضع إلا للحكم الشرعي أيا كانت النتائج، ولا تلتزم بغير السياسة الشرعية كموجه لفعالياتها، ولا مفر من التعامل مع هذه الحقيقة التي يصر الكثير على تغييبها إما قصدا أو جهلا. فالقاعدة أو طالبان أو إمارة الشيشان أو دولة العراق أو فتح الإسلام وغيرها من تيارات الجهاد العالمي ليست تنظيمات سياسية وطنية بحيث يمكن أن تشهد انقسامات أو تعدد في الرؤى والأطروحات على خلفية المشاريع السياسية، فالقائد العسكري لطالبان حاجي منصور أقيل من منصبه لـ"عدم الطاعة"ولم يشفع له جهاده ولا استشهاد أخيه الملا داد الله، والبغدادي عزل القاضي الشرعي للدولة من منصبه"بناءً على مقتضيات المصلحة الشرعية"وليس لخلافات تنظيمية أو سياسية أو شخصية.