فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 634

ثانيا: قراءة في صمت القوى

إذن كان الشيخ حامد العلي هو الأول والوحيد الذي عاجل الشيخ أسامة بالرد على الخطاب بصورة غير مباشرة، إذ خلت فتواه من ذكر أي من الجماعات الجهادية بما فيها دولة العراق الإسلامية، ففي اليوم التالي للخطاب تلقى الشيخ على موقعه سؤالا تقدم به"بعض الأفاضل"نص على ما يلي:"فضيلة الشيخ حرصا منا على تجنب الجدال، والمراء، والفتن، نصوغ سؤالنا صياغة بتجرد، فنقول: هل هذه الدول الموجودة الآن يصح أن يقاس عليها الإمامة الشرعية؟، وهل للتمكين أو السلطان الذي يمكن للإمامة به أداء واجباتها أو الشوكة حد أدنى يشترط لتكون إمامة شرعية، أم الأمر مفتوح بلا حدود منضبطة، .. أفتونا مأجورين". ولا شك أن السؤال يتعلق بدولة العراق الإسلامية مثلما هي الإجابة بحيث تكون النتيجة بالمحصلة تجديدا لموقف الشيخ حامد الرافض لإعلان الدولة. لكن فتوى الشيخ لم تنجح في خدش جدار الصمت المثير الذي خيم على الجميع بلا استثناء، فما الذي حدث؟ وبأية مبررات يمكن تفسير هذا الصمت؟

الثابت أن العناصر المكونة لشخصية بن لادن قد لا تساهم كثيرا في تحديد توجهاته أو التنبؤ بها لكنها قادرة على تشكيل صورة انطباعية عن الرجل محاطة بهيبة فطرية طاغية يصعب النيل منها، وهو ما نسميه بالعلوم السياسية أو الاجتماعية بالشخصية الكاريزمية. ففي خطاباته الصوتية والمرئية وفي المقابلات الصحفية له تميز الرجل بصوت هادئ ودافئ ولطف شديد في الحركة ورقة متناهية وابتعاد عن العصبية ولين في القول حتى لو كان شديد الحسم، وتواضع، وأدب جم، وورع وتقوى وزهد لم ينكره عليه حتى مخالفيه. أما سياسيا فالرجل الضعيف البنية جاهد بنفسه وأهله وبكل ما يملك من مال وثروات، وفضل حياة المطاردة والكهوف التي يعيبها البعض عليه، وكان بيده الأمر والنهي والمُلك والجاه والمكانة والسند ولم يفعل، وطارد أعتى قوى الأرض وضربها حتى في عقر ديارها وفي أوضح رموز قوتها وعنفوانها وخرب خططها وتربص بها الدوائر وأذل قوى الأمن وأجهزة الاستخبارات العالمية ومرغ أنفها بوحل من العار لن تمحوه سنين الدهر حتى لو احتلت الولايات المتحدة نصف العالم الإسلامي وفتكت بشعوبه، وما زال مصرا على المضي قدما في طريقه، بل أنه بات رمزا في مواجهة أمريكا وقوى العدوان في العالم أجمع.

هذا الرجل لا يستعجب منه كل من قابله بل حتى من لم يقابله بمن فيهم غير المسلمين، وفي مقالة عجيبة كتبها صحفي فنزويللي من أصل لبناني يدعى جون بطرس قال عنه: أن الأمريكيين اللاتينيين ينظرون إليه كبطل للعرب والمسلمين، والأعجب أن خصوم القاعدة من الجماعات الأخرى يُجلّونه ويثكْبرونه ويتغافلون عن نقده لجماعاتهم بخلاف أي من قادة القاعدة الآخرين كالظواهري مثلا.

هكذا هي صورة بن لادن وهي تتمتع باحترام وإعجاب عز نظيره في عالم الإسلام والمسلمين، وفي ضوئها صمت الجميع عن الرد والتعليق على خطابه الذي قلب فيه الطاولة وخلط كل الأوراق ومزق كل المراهنات مخلفا حيرة ورهبة وعلى الأكثر حنقا خفيا أو عتبا ظاهرا لدى الخصوم والمخالفين خاصة وأنه رجل يصعب المساس به أو ثلب مكانته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت