فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 634

د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي متخصص

مجلة العصر 11/ 9/2006

لو قارنا ضربة 11 سبتمبر 2001 التي نفذها تنظيم القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية بأي حدث في القرن العشرين بدء من الحرب العالمية الأولى وما تبعها من انهيار للإمبراطورية العثمانية واتفاقيات سايكس - بيكو وتقسيم الوطن العربي وفرض سياسة الانتداب وانتهاء بالحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من اغتصاب لفلسطين وأجزاء أخرى من أراضي الدول العربية لتبين لأجيال اليوم أن الضربة أقوى من كل الأحداث التي وقعت.

قال لي صديق في ثمانينات القرن الماضي أن الدول العربية عاجزة جميعها عن تحرير فلسطين، فسألته عن السبب؟ فقال لي: أن ضربة إسرائيلية واحدة قد تحطم هذه الدول قبل أن يرتد إليها طرفها. فقلت له: وما الحل؟ فقال: حرب عصابات من شأنها أن تقلب الطاولة على رأس الجميع. وهذا ما فعلته بالضبط القاعدة. فهي الوحيدة التي تجرأت على مواجهة وضرب رموز القوة في العالم.

فما حدث كان ضربة صاعقة مدمرة بكل معنى الكلمة، وضربة مفاجئة ومهينة ومذلة لأعتى رموز القوة في العالم ولأعتى رموز الهيمنة والغطرسة في التاريخ الإنساني. وقد يكون الخيال قد داعب القوى العظمى أثناء الحرب الباردة بتدمير بعضها عشرات المرات وتغيير وجه التاريخ الكوني وطبيعة الحياة على الأرض بموجب ما تمتلكه من أسلحة فتك ودمار شامل وإبادة ولكنها بقيت خيالات في صميم وفلسفة الحرب الباردة القائمة على الردع والتخويف وحق الجميع في الحياة ومصلحتهم في استمرارها، ولكن ما من قوة على وجه الأرض من هذه القوى أو غيرها كانت مستعدة في لحظة من اللحظات إلى تمرير مجرد اختراق جوي لأراضي الخصم دون أن تحسب ألف حساب للعواقب فكيف بها في التفكير بضرب رموز القوة؟

صحيح أن القاعدة في شريطها الأخير تكون قد وثقت للحدث بلا منازع، ولكن قل من صدق أنها فعلته حين وقوعه، وقل من صدق أنها قادرة على تنفيذه، وقل من صدق أنها قادرة على التفكير بهجمات من هذا الحجم الذي لا يخطر ببال عتاة العسكريين والدول. وقل من صدق أن بلدا يفتقد لطريق معبد وبعيد عن الحضارة وفقير في المعدات والتجهيزات قد يخرج منه ما يذل زعماء العالم وقادته بكل ما يتوفر لديهم من أسباب القوة والردع، وندر من صدق إن لم يكن عدما أن تغزو أضعف قوة أراضي الولايات المتحدة الأمريكية التي نشأت وتأسست على عقلية الحصانة من أي عدو خارجي فإذا بها تصفع على وجهها عدة صفعات ألحقت بها عارا لن يمحوه تاريخ ولا غطرسة ولا احتلال هذا البلد ولا ذاك.

صفعة ضد مراكز التجارة التي توصف بقرون الاستشعار وتطل على العالم متحكمة بكل اقتصاده وخيراته دون أن يستطع أحد مواجهتها، وصفعة ضد البنتاغون (وزارة الدفاع) ، مبنى القتل والإجرام والاحتلال والتهديد والإرهاب والرعب العالمي، وصفعة لم تتحقق كانت في طريقها إلى رأس التآمر والاستعلاء العالمي في البيت الأبيض. وصفعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت