د. أكرم حجازي
صحف - 22/ 7/2008
بعد يومين أو ثلاثة من صدور السفر أصدرت الأنصار شريطا مصورا بعنوان:"حماة الديار"نقلت فيه وقائع هجوم عنيف تعرض له مقر القوات الحكومية في مدينة المقدادية، لكن الملفت في الشريط أن القوة المهاجمة انسحبت من المدينة، وسط ترحيب الأهالي، بعد تفجير مقر الحرس الوطني فيها، وما وصفوه بأنه تأمين للمدينة. قد لا يكون ثمة رابط بين السفر والشريط، لكن لو كان هذا صحيحا لوزعت الأنصار شريطا آخر يستهدف مثلا القوات الأمريكية وليس الصحوات أو ما تسميه بقوات"الردة"؟
لا شك أن الجماعة أرادت أن تبعث برسالة تؤكد فيها على ما ورد في السفر بأن مشكلة المشروع الجهادي محلية وليست خارجية، وأنها مستعدة للتعامل مع المشكلة وفق ما تقتضيه طبيعتها. فإن كانت المواجهة المسلحة هي الحل الوحيد فلن يكون هناك حل إلا باقتلاع رؤوس"الردة"كما اقتلعتها في المقدادية. لكن قبل أن تظهر الصحوات كان المشروع الجهادي يعمل بقوة وفعالية ضد القوات الأمريكية والحكومية، ومع أن أغلب التحليلات تشير إلى احتراق هذه الورقة بيد الأمريكيين وهي بالتالي إلى زوال قريبا إلا أن الوقائع على الأرض تفرض علينا طرح السؤال التالي بكل ما يستحقه من تأمل: هل فشل مشروع الصحوات فعلا؟
أولا: مصممو المشروع
في البداية لم تكن المجاميع التي التحقت بالصحوات تتمتع بأية تغطية اجتماعية أو شرعية حين ظهورها، وكانت هذه علامات ضعف تعترض مشروعيتها وتعيق استمراريتها. لذا كان من الضرورة العملية استدعاء مشايخ المارينز والاحتلال كعبد الغفور السامرائي وأمثاله لتوفير الفتاوى اللازمة وتقديم صكوك الغفران حتى يبيت قتلى الصحوات شهداء خالدون. ومع ذلك، وتأسيسا على أن المشروع أمريكي أولا وآخرا، فلم يكن متيسرا للصحوات أن تنجح حتى لو دفع الأمريكيون أموال الأرض ما لم تحتضنها بعض الجماعات الجهادية سواء بالانخراط بها بشكل مباشر وقيادتها أو بالتبرير لها أو بمحايدتها، فـ"لا نقاتلهم ولا يقاتلونا"، وهي معادلة سقطت منذ اللحظات الأولى على الأرض. إذ لم تستطع أية قوة جهادية أن تقاتل الأمريكيين انطلاقا من مناطق سيطرة الصحوات، هذا إن سلمت من أذاها أصلا.
لم يكن للأمريكيين من هَمّ إلا أن يوجدوا الصحوات ويوقفوها على قدميها بأي ثمن كان. وكانوا يعرفون أصولها الاجتماعية وسمات أفرادها ومرجعياتهم وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وتاريخهم الجنائي والسياسي والحزبي. بل أنهم كانوا يخضعون المتطوعين إلى مقابلات دقيقة ومهينة قبل اعتمادهم، ثم شرعوا في تدريبهم وتسليحهم ومنحوهم كل صلاحيات القوة من القتل إلى النهب إلى اقتحام البيوت والتهديد وممارسة شتى أنواع البلطجة. وكانوا كرماء في ضخ الأموال في شرايين رموزها تاركين لهم تصريف شؤون الأفراد ودفع رواتبهم عبر قائد الصحوة مباشرة الذي كان يسرق النصف ويوزع النصف في أحسن الأحوال.
كل هذا، كان مرحلة حققت أهدافها للأمريكيين، فضعف المشروع الجهادي فعلا، واستقر الوضع في صالح الأمريكيين. ومع أنهم انتقلوا إلى المرحلة الثانية قبل شهرين على الأكثر إلا أن اعتقادا ساد يصر على أن الصحوات في طريقها إلى الزوال بعد أن استنفذت الأهداف التي أنشئت من أجلها، وأنها كمشروع فشلت. وعلى