فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 634

أما مسألة الإعلان عن حجم جيش القاعدة ففيه الكثير من الدلالات المثيرة والتي لا يتطلع إليها عادة الإعلام فيما هي عند أصحابها من الحواسم الاستراتيجية في التفكير والعمل. فلا يغلب اثني عشر ألفا من قلة. هذا حديث نبوي شريف لطالما دغدغ أماني وطموحات الشيخ حسن البنا في أواخر ثلاثينات القرن الماضي لما كانت الجماعة تنمو بأوجها ويطالب بعض قادتها ببدء مرحلة الجهاد فرد البنا أن الوقت لم يحن بعد، واقترح في رسالته الخامسة تجهيز ثلاثمائة كتيبة كشرط للانطلاق وهو ما يوازي عدديا اثني عشر ألف رجل. ولنا أن نتساءل: كيف سيكون الأمر؛ وقد نجحت القاعدة في تجهيز هذا العدد من المقاتلين يؤازرهم عشرة آلاف مقاتل احتياط؟ فهل من الممكن الحديث الآن عن حاجة القاعدة إلى المدد البشري؟ ثم لماذا تجند القاعدة هذا العدد الهائل من المقاتلين إن لم تكن تخطط فعلا لأمر ما يحتاج إلى هذا الكم البشري؟

لا شك أن الجميع يذكر دعوات بن لادن والظواهري وها يطالبان بالمزيد من المدد ويوجهان رسائل عديدة إلى الشباب كي ينصروا إخوانهم في العراق، وقد ظهر هذا جليا في شريط أبو مصعب الزرقاوي وذهب الكثير إلى الاعتقاد، ومنهم كاتب هذا المقال، أن القاعدة ربما تكون بحاجة إلى المدد فعلا أو أنها تخطط لشيء ما تحتاج بموجبه إلى المزيد من الموارد البشرية. ولكن لأن المسالة بحسابات القاعدة ليست تنظيمية أبدا بقدر ما هي بناء استراتيجي لنواة صلبة تحتاج إلى جهود الجميع وتضع بين أيدي الجماعات المقاتلة كافة كنزا يتمثل في وحدة القوة والجهد لتكون حقا وثبة وكرة باتجاه العدو حتى لو كان في أقاصي الأرض. فالدولة تتطلع الآن إلى ما تراه تصفية لجيوب العمالة في العراق في جنوبه وشماله. ومن المؤكد أنها إذا ما نجحت بترتيب وضع العراق فلن يمنعها شيء من التقدم باتجاه إعلان الخلافة من جهة وباتجاه محيطها لاسيما فلسطين وحينها ستكون لكلماتها بـ"نسف البيت الأبيض"وقعها الثقيل.

كما أن العدد المعلن لجيش القاعدة شكل مفاجأة بكل المقاييس، على الرغم من أن صالح المطلق كان قد أشار في وقت سابق إلى تمتع القاعدة بإمكانيات كبيرة تفوق ما لدى الجماعات الإسلامية الأخرى. ولعل السر في العدد، طبقا للحديث النبوي، تكمن في الإيمان أولا وفيما يزرعه من شعور بالثقة وتوفر شروط التمكين لخوض معارك كر وفر غير تلك التي سمعنا عنها في السنوات السابقة على احتلال العراق. هكذا أيضا نفهم معنى"انتهاء مرحلة من مراحل الجهاد وبدء مرحلة جديدة"، لذا ثمة اعتقاد بأن المرحلة القادمة ستكون أشد ضراوة على الطرفين مما سبقها من مراحل، وفي خضم هذا التوجه يمكن أن نفسر أيضا، إلى حد ما، الخسائر الكبيرة جدا في عدد القتلى الأمريكيين خلال شهر أكتوبر / تشرين أول الماضي والذي تجاوز المائة قتيل. وثمة احتمال أيضا يتردد لدى مؤيدي القاعدة بأن هذه الأخيرة قد تلجأ فعلا إلى إعاقة الانسحاب الأمريكي من العراق ريثما تستكمل بقايا أهداف المرحلة السابقة. غير أن التجارب تدل على أن القوات المحتلة غالبا ما تلجأ، هي الأخرى، إلى ارتكاب مجازر جماعية إذا ما شعرت بأن هزيمتها باتت محققة وأن الانسحاب قاب قوسين أو أدنى، وهو ما فعلته الولايات المتحدة في فيتنام وكوريا.

بقي أن نقول أن مثل هذه الأحداث التي تصنعها الجماعات الجهادية في العراق تظل بحاجة إلى الكلمة الفصل من شيخي التيار الجهادي العالمي أسامة بن لادن ود. أيمن الظواهري وهو ما لم يحدث حتى هذه اللحظة. فأحداث من هذا العيار يصعب اليقين بها ما لم تحظ ببصمة مميزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت