بداية يمكن ملاحظة تمايز في الموقف الشعبي تجاه القراصنة، فالمتعاطفون معهم يعتبرونهم أبطالا وحراسا للحدود والمياه، كما يحب بعض القراصنة أن يطلقوا على أنفسهم، فهم مبعث فخر بما أنهم استطاعوا تلقين من يعتبرونهم لصوص الثروات دروسا جديدة في الحماية والدفاع عن الحقوق وتحصيلها بالقوة جزئيا أو كليا من مغتصبيها. أما المناهضون لهم فيحرضون على التدخل الدولي ويستنجدون بالحماية الدولية ويتحرقون شوقا لسحق من يصفونهم بالمجموعات الهمجية والرعاع والإرهابيين الذين ينبغي إزالتهم من على الأرض بدعوى اعتدائهم على الحضارة والتحضر وانعدام ضمائرهم وتهديد سلامة الملاحة الدولية التي تخدم البشرية جمعاء. والمحايدون بعضهم حائرون، وأكثرهم يوصون بإنزال الحكم الشرعي عليهم من قبل وليّ الأمر، على أن تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وينفوا من الأرض جزاء ما يعيثونه من فساد بين الناس.
فالغالبية الساحقة إذن من هؤلاء الذين عبروا عن مواقفهم في مواضع مختلفة يدركون أن القرصنة في الصومال ليست لعبة يتلهى بها صيادون بائسون لكسب بعض الغنائم السائبة في البحار، إذ أن بعضهم يدرك جانبا من المشكلة ويشعر بها، فيما اختار بعضهم الآخر، عن سبق الإصرار، الوقوف في صف القوى الدولية بوصفها حامية الحمى أو في صف الموقف الشرعي الذي يجري استحضاره فقط لكي يتوافق مع تصريحات ولي الأمر الذي وصف الظاهرة برمتها بالإرهاب وهو ما لم تقره حتى القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن. والحقيقة أن للمسألة تاريخية سياسية بدأت صياغتها في أعقاب التدخل الأمريكي في الصومال ثم الانسحاب منه بحيث يتمخض عنها:
1)تحويل الصومال إلى مشاع يمكن استباحته لأطول فترة ممكنة تمهيدا للتدخل الدولي المستمر في المنطقة وإشاعة الفوضى بها كي يسهل التحكم بها وتهديدها كلما استدعى الأمر ذلك.
2)إتاحة الفرصة أمام النهب الدولي المنظم للثروات السمكية في الصومال والتي لا تقل أهميتها وقيمتها عن أهمية الثروة النفطية في البلدان العربية.
3)توفير منطقة مثالية لاستعمالها مكبّا للنفايات السامة بشتى أنواعها.
هذا ما حصل فعلا في الصومال حيث تنتهك مياهه مئات السفن وتسرق ثرواته جهارا نهارا دون أن تدفع مليما واحدا لقاء المرور في مياهه أو الصيد فيها أو تلويث البيئة بالمواد السامة، وهو وضع مثالي تطلب خلقه والحفاظ عليه عقدين من الزمن. فالعالم لم ينس الصومال بقدر ما استغله أبشع استغلال ومارس ضده أحط القيم، وخرّب حتى قيم المجتمع الصومالي وأشاع فيه من الفساد ما لم يشعه في أي بلد آخر حتى دبت الصراعات الدامية بين قبائله وانتشر قطاع الطرق وزعامات الحرب والبلطجة في كل مدينة وحي وقرية وساحل.
في مثل هذه البيئة الاجتماعية نمت القرصنة، فقد كان صيادو الأسماك المحليين ينصبون شباكهم ليقتاتوا على منتجات البحر، وما كان أمامهم من خيار آخر لولا أن سفن الصيد كانت تدمر مراكبهم وشباكهم فتحيلها أثرا بعد عين. الأمر الذي اضطرهم إلى سلوك سبل أخرى للعيش كانت القرصنة إحداها. لكن هل هؤلاء الصيادون هم الذين تنسج حولهم الأساطير؟