منطق التدخل الغربي
حتى يومنا هذا ثمة شعوب عربية وأعجمية مسلمة تتعرض للإبادة المنظمة منذ عشرات السنين، لكنها لم تتلق الدعم ذاته الذي تتلقاه الثورة الليبية من الغرب. فالفلسطينيون تعرضوا لمذابح وحشية وجماعية لا توصف، كان آخرها مذبحة غزة، لكن أحدا لم ينتصر لهم دوليا ولا عربيا، بل أن التورط العربي في محاصرتهم كان أشد وضوحا مما هو في ليبيا. وكذا حصل في أفغانستان والعراق والصومال. أما في حرب البوسنة والهرسك فقد أبيدت قرى ومدن بكاملها على يد الصرب الأرثوذكس أمام ناظري الغرب طوال أربع سنوات، وارتكبت من المذابح الوحشية ما لا تطيق نفس بشرية النظر إليه، ولم يتدخل حلف الناتو إلا بعد أن ضمن مصالح بلاده، وفرض الجنرال دايتون شروطه لإنهاء الحرب الأهلية الطاحنة. فما الذي يجعل الغرب حريصا على حماية المدنيين في ليبيا دون غيرها من البلدان الإسلامية؟ وكيف يمكن لفرنسا أن يستفيق ضميرها وهي التي أعلنت استعدادها لتزويد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بما يحتاجه من معدات لقمع الثورة قبل يومين من فراره المخزي من البلاد؟ إذا أحسنا الظن، وكنا موضوعيين، فثمة مليون علامة استفهام على التدخل الغربي.
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على رموز القوة في الولايات المتحدة الأمريكية، خرج الرئيس جورج بوش الابن بعبارته الشهيرة: «من ليس معنا فهو ضدنا» ، وأتبعها بعبارة «الحرب الصليبية» . وفي يوم 21/ 3 كرر وزير الداخلية الفرنسي كلود جيون، العبارة ذاتها حين نسب إلى الرئيس نيكولا ساركوزي القول بأنه: «تَصدَّر حملة صليبية لحشد دعم مجلس الأمن والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي لمنع ارتكاب مذابح بليبيا» !!! فهل نصدق المجلس الوطني ونكذب ما يقوله الغرب بلسانه؟ وهل يعقل أن نعاكس الحقيقة، ونكذب التاريخ والحاضر، ونعترف، زورا، بأننا كنا مخطئين بحق الحروب الصليبية التي كانت تستهدف تاريخيا حماية المسلمين؟ بالتأكيد لا. لكن، وكما برر مستشارو بوش ووزرائه عبارته بـ «زلة لسان» ، علما أن مارغريت تاتشر وبيرلسكوني وغيرهما كرراها بعده، كذلك الأمر حين وصف وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه عبارة زميله بـ «زلة لسان» , محذرا من خطورة العبارة، ومحاولا التقليل من أهميتها، وداعيا إلى تجنب استخدام تعبير «حملة صليبية» !!! وكأنه يوصي باستعمال عبارات أقل إثارة للمسلمين.
كل ما في الأمر أن الولايات المتحدة وبريطانيا توارتا، بفعل سمعتهما الشريرة في العراق وأفغانستان والصومال، خلف فرنسا التي تصدرت القيادة السياسية لـ «الحملة الصليبية» الجارية، فيما أحيلت قيادة «الحملة العسكرية» إلى الحلف الأطلسي، كما هو الحال في أفغانستان.
حتى الأمريكيين جن جنونهم على رئيسهم باراك أوباما الذي قرر الذهاب إلى الحرب دون العودة إلى الكونغرس الأمريكي صاحب القرار الدستوري في إعلانها. فلو عدنا إلى قرار مجلس الأمن لتبين لنا أن القرار