د. أكرم حجازي
ليست النظم العربية ديكتاتورية بالمعنى التقليدي الذي عرفناه لدى نظم أخرى في العالم. ففي كثير من التجارب تبيَّن أن هناك نظم ديكتاتورية ذات طموح سياسي، ومشروع نهضة، ولو بوسائل قسرية واستبدادية. لكن النظم العربية امتازت على الدوام بنزعة التملك الشامل للدولة والمجتمع والأمة إلى حد الربط المصيري بينها وبين الحاكم. فالدولة .. المجتمع .. الأمة .. باقية ما بقي الحاكم .. وآمنة ما أمن الحاكم. فإذا زال أو شعر بالتهديد كان على الآخرين أن يزولوا، أو يدفعوا الثمن معه، أضعافا مضاعفة!!! طبقا لمعادلة «أنا ومن بعدي الطوفان» .. معادلة قائمة وشائعة منذ زمن بعيد عبر عبارات نسمعها في أغلب البلدان من نوع: «أخذناها بالسيف! فمن عنده زود فليتفضل» !!! أو «جئنا إليها صحراء خربة .. ونخرج منها كذلك» !!!
ميزة الدول العربية بالذات أنها الأضعف في العالم، والأحط مكانة بين الأمم، والأشد استباحة للحرمات والكرامات والأنفس. فما من دولة عربية، مهما بلغت من القوة، المادية والمعنوية، قادرة على حماية نفسها من أي تهديد داخلي أو خارجي. وما من نظام سياسي عربي إلا ويتعامل مع شعبه وكأنه لحظة من الرفاهية المسخَّرة لاستمتاع السلطة وتلبية احتياجاتها. وما من نظام إلا حارب الدين وأهله أو سخره لطغيانه أو صادر الحقوق والحريات أو رهن البلاد والعباد لألد الأعداء أو استولى على المال العام والخاص وصادر الثروات واستحوذ على الموارد وأخرجها من البلاد ليودعها في حسابات سرية أو علنية أو بنى بها القصور وأقام الشركات واشتري العقارات وخاض كل مخاض.
سبحان الله!! كل الدولة آمنة إلا دولة الحاكم .. وكل الشعوب مثقفة ورقيقة إلا شعب الحاكم، مهلوس وحشاش .. وكل أهل الأوثان والأديان كِرام إلا أهل الإسلام فإرهابيون أوباش .. وكل القوانين واجبة الاحترام إلا بلاد الحاكم فهي بلا قوانين .. وكل الحقوق مهدورة إلا حقوق الحاكم فمصانة .. وكل الحريات، العامة والخاصة، متاحة للحاكم إلا الشعب فليس له حتى من الحريات الخاصة نصيب .. كل البلاد والعباد مشاع للحاكم ..
لما لا يبقى للحاكم ما يحكمه فإننا نكون ضحية الطغيان .. لكنه طغيان ما بعده ولا مثله طغيان .. سواء في السياسة أو الإدارة أو الأمن أو الاجتماع أو الاقتصاد أو الثقافة أو العلم ... ولعل أطرف ما في النظم العربية أن أغلبها تحولت إلى أسر وعائلات حاكمة بقطع النظر عن طبيعة النظام أكان ملكيا أو جمهوريا أو سلطانيا أو