فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 634

ثانيا: سياسة المراجعات

إذا كانت القوى الأجنبية الغازية للبلاد الإسلامية أو المحتلة لها قد لجأت إلى مشاريع الصحوات لضرب القوى المناهضة لها وخاصة القوى الجهادية بوصفها الخصم الأعنف؛ فقد لجأت أغلب الدول العربية، كقوى محلية، خاصة تلك التي تشهد ساحاتها حراكا مسلحا لجماعات إسلامية، إلى وسيلة أشد طرافة وغرابة من مشروع الصحوات هي ما بات يطلق عليه مصطلح"المراجعات الفقهية"الذي تقابله الجماعات الجهادية بمصطلح"التراجعات".

هذه المراجعات التي دشنتها جماعة الإخوان المسلمين في كتاب"دعاة لا قضاة"وغيره الكثير من التصريحات، ثم ترجمتها الجماعة الإسلامية عبر ما عرف بـ"مبادرة وقف العنف"، يجري تعميمها الآن على كافة الساحات التي تشهد حراكا مسلحا أو فقهيا ضد ما تسميه هذه الجماعات قوى"الطاغوت"أو"محاربة اليهود والصليبيين". أما أكثرها حضورا على الساحة فهي تلك المراجعات التي يجري الترويج لها حاليا في مصر بقلم الشيخ سيد إمام أو تلك التي يجري العمل على إخراجها قريبا في السعودية والمغرب وتونس والجزائر وربما فيما بعد دولا أخرى. لكن، بعد التمحيص والتدقيق، تبيَّن لنا أننا بصدد ظاهرة اجتماعية قيد التشكل، وبلغة أكاديمية صرفة يمكن ملاحظة بعض الخصائص بيسر وإخضاعها للدراسة المعمقة لمن رغب في ذلك:

-أنها خرجت جميعها من السجون الأمر الذي يسهل على من هم خارج السجون من الجماعات الجهادية الطعن بها باعتبار السجون موطن إكراه وتعذيب ولا يعتد فقهيا بموقف السجناء سواء كانوا أفرادا أو قيادات. والحقيقة أن بعض من هم خارج السجون إما أنهم طعنوا بها جملة وتفصيلا أو أنهم رفضوا المحتوى الذي جرى ترويجه حولها. ولم يسجل حتى الآن موقفا واحدا من رموز جهادية كبرى خارج السجون أو هيمنة الأجهزة الأمنية للدولة.

-كما أن المراجعات تتجه نحو الشمولية لتمس جماعات متعددة في عدة بلدان عربية وربما غير عربية مما يجعلها ظاهرة سياسية أو أمنية بامتياز، بمعنى أن السلطة ضالعة في إخراجها وليس صحيحا أنها مبادرة طوعية من لدن الأفراد والجماعات المعنية خاصة وأن انتشار الظاهرة واتخاذها صفة العمومية لا يمكن أن يكون صدفة، ولهذا يرى البعض من المخالفين لها، سواء كانوا إسلاميين أو حتى مجرد أكاديميين، أنها وليدة"صفقة"صيغت في أقبية السجون بين قادة الجماعات والأجهزة الأمنية على الخصوص فرضتها قسوة حياة السجون وشدة التعذيب فيها والأحكام العالية التي تصدر بحق المعتقلين، والراجح أن الصفقة تبدو ترجمة عملية لما سبق وأن صرح به فؤاد علام في التعامل مع السجناء والمطلوبين للسلطة من خلال سياسة:"الضرب في سويداء القلب"، وهي عبارة يمكن تحميلها بأقصى ما يتوقع العقل من ضغوط.

-لعل أبرز ما تميزت به هذه المراجعات أنها قدمت إصدارات فقهية تنقض ما سبق وأعلنته نقضا تاما، وكأن مجرد الإعلان عن"توبة"غير كافي، وهي حالة فريدة في التاريخ الفقهي الإسلامي، إذ يمكن أن يتفهم المرء إدانة أخطائه وتراجعه عنها لكن أن يُحَمَّل النص هذه الأخطاء فهي مسألة غير مسبوقة، فضلا عن أن الظاهر من النصوص أنها لم تتعرض إلى الأخطاء بقدر ما تصدت لإدانة العمل والنص ذاته بما يشبه عملية تطويع له بما يتناسب وخطاب الدولة الرسمي، ولعل من المثير حتى الدهشة أن الجماعة الإسلامية في مصر تفوقت في أطروحاتها على خطاب السلطة ذاته، وإلا فمن ذا الذي يعتبر، من العامة وليس فقط من الخاصة، أن السادات شهيدا ويسمي الجهاد عنفا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت