رجل دولة بامتياز
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي متخصص
صحف 4/ 2 / 2007
ترددت وحرت كثيرا في التعليق على كلمة الشيخ أبي عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية والتي صدرت أول أمس بعنوان"فتح من الله ونصر قريب". فالخطاب الذي جاء في سبعة عشر دقيقة عدا الدقائق الست التي خصصت للمقدمة جاء حافلا وحاشدا في المواقف والأخبار والتعليمات وبنفس المستوى من الأهمية بحيث يصعب على المراقب تفكيكه إلى محاور مستقلة يمكن فهمها والتعليق عليها بنوع من الأريحية. وبالتأكيد لن أتناول من الخطاب إلا بعض ما ورد فيه مع أني أكاد أجزم أن هذا النوع من الخطابات للجماعات الإسلامية المجاهدة جديد كل الجدة وغير مسبوق. إذ أن بعض القضايا المطروحة هي قضايا غالبا ما تتسبب بنوع من التوتر لدى الأنصار في تيارات السلفية الجهادية بحيث لا يخطئ المراقب في معاينة الغلو لدى البعض والتعقل لدى البعض الآخر، ولكن التعامل معها من قبل البغدادي ذاته بوصفه أميرا للدولة فيه من الجرأة والحكمة والشجاعة ما لم تبلغه أعتى قيادات السلفية الجهادية سواء كانت في صلب القيادة الميدانية والسياسية أو في صلب التيارات المناصرة للسلفية وعلى اختلاف مستوياتها وميادين نصرتها، مما يجعل من خطاب البغدادي خطاب لرجل دولة بامتياز.
لا شك أن أول القضايا المثيرة هي ما يمكن تسميته بحديث المغامرة، فلا يمكن لمراقب منضبط أن يغض الطرف عما أعلنه البغدادي من خطة سماها بخطة الكرامة ويمر عليها مرور الكرام. فهي خطة تتحدث عن حرب مفتوحة على امتداد العراق لا تنتهي إلا"باعلان بوش فشل خطته وتوقيعه اتفاقيه الهزيمه يجر اذيال الخيبه والخسران"، وبالتالي فالقراءة الأولى تأتي في سياق الرد على الاستراتيجية الأمريكية في العراق والتي تشمل زيادة في عديد القوات وخطط أمنية جديدة يجري تطبيقها بما يضمن بقاء مديدا للقوات الأمريكية في العراق والمنطقة. أما القراءة الثانية لخطة الكرامة فتتعلق بالمدة الزمنية المشروطة بالهزيمة الأمريكية الساحقة ولكن ليس بالمعطيات الزمنية المألوفة، ولعل جانب المغامرة يتراءى لنا في هذه القراءة بالذات، فكيف يمكن الالتزام بخطة دون الالتزام بزمن معين لإنجازها؟
لو استعملنا تقنيات التحليل المادية لطرحنا عشرات التساؤلات وشككنا عميقا فيما يذهب إليه البغدادي، ولكن لو استعملنا منهج السلفية الجهادية للاحظنا أن نجاح خطة البغدادي منوط فعلا بتحقق جملة من الشروط أساسها التوحيد الخالص لله والاقتداء بالرسول لكريم وبتجارب السلف الصالح. فبهذه الشروط يمكن أن نجد تفسيرا مقنعا لكثرة آيات النصرة التي يستشهد بها الخطاب، بل أننا سنبدو أكثر فهما لعنوان الخطاب الذي أسمي بـ"فتح من الله ونصر قريب"، وبالتالي لا حاجة للبغدادي كي يلتزم بمدة زمنية إذا كان قد عزم على تصعيد القتال ضد القوات الأمريكية وإذا كان النصر هو بيد الله أولا وآخرا وإذا كانت الهزيمة ستتحقق"بإذن الله".