فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 634

وعطفا على ما سبق يقدم البغدادي أهداف الخطة كما لو أنها علامات للنصرة، ففي الخطاب يخبر عن بقايا جيوب للمرتدين وعن مارد صليبي مجروح فقد ما يقارب الـ 75 ألفا من قواته وأضعاف العدد من الجرحى والمعوقين، ويعاني جنوده وقادته من انهيار في معنوياتهم.

ولكن الأهم فيما يتحدث عنه البغدادي، وهو ما شكل مصدرا لبعض المشاحنات والتشكيك، يتعلق في العلاقة بين الدولة وباقي الجماعات المجاهدة التي لم تبايع بعد، وهنا يحسم الرجل كل جدل يتعلق بهذه المسألة ويرفض رفضا قاطعا كل تجريح أو تشكيك بهؤلاء المجاهدين أيا كانت مواقفهم من الدولة طالما أنهم من أهل الثغور، وها هو يصدح:"... أؤكد لإخواني المجاهدين الذين لم يبايعوا بعد دولة الإسلام الحقائق الآتية: أولا، إنهم إخوة لنا، نحميهم بأنفسنا ونذب عنهم بألسنتنا ولا نتهمهم بكفر أو فجور، ... أقول لإخواني جنود دولة الاسلام اتقوا الله في إخوانكم المجاهدين، فلا يسمعوا منكم إلا طيبا، ولا يروا منكم إلا خيرا، فلا زلنا في طور البناء، وأحكام الدولة يجهلها الكثير، وإني على يقين أن المخلصين الموحدين قادمون لا محال فالرفق الرفق يا عباد الله"، وهذا موقف بالغ الأهمية، سيما وأنه يستبشر"بوحدة الصف"وكونه يتأسس ربما على شعور واقعي بقوة الدولة التي يقودها أو على قناعة بأن المجاهدين سيلحقون، لا محالة، بالدولة عاجلا أو آجلا، وملمحا إلى عظمة جهادهم ودوره في تثبيت أركان الدولة، وهي رسالة واضحة لكافة المجاهدين بأنه من غير المسموح لأحد أن ينتقص من دور الآخرين على الرغم من أن في تخلفهم عن المبايعة"معصية". وهو موقف أولى أن يلتزم به ويطمئن إليه من كان داخل الدولة أو خارجها، أوفي الميدان وساحات النصرة.

أما المسألة الثانية التي لطالما أثارت الخلاف والشقاق وشحذت النفوس بالبغضاء فهي أولويات العداء والقتال. فأيهم أخطر على الإسلام والمسلمين: الروم أم الفرس؟

في الحقيقة فإن الحرب الاسرائيلية الأخيرة على لبنان قسمت السنة بين مؤيد لحزب الله أو معارض له، بيد أن أبرز حالات الانقسام وقعت بين أنصار السلفية الجهادية ليس على خلفية هوية الراية التي يقاتل في ظلها حزب الله وهو ما لا يختلف عليه أحد بل على أولوية العدو. فالموقف تمثل حتى لحظة خطاب البغدادي إما بالمساواة بين الصفويين (الفرس) من جهة وبين الحلف الأمريكي الصهيوني (الروم) من جهة أخرى، أو بتقديم الخطر الصفوي على الخطر الأمريكي الصهيوني، وهنا بالذات تجلى التشاحن والبغض الذي لم يسبق للسلفية أن شهدته فيما مضى.

والآن يأتي خطاب البغدادي موجها إلى (أمة الإسلام) ليضع النقاط على الحروف ناصعة جلية وبمسؤولية عالية ليقول وبالحرف الواحد:"إننا اليوم نقف في نفس النقطة التي وقف عندها الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مطلع المرحلة المدنية، ومعركتنا مع الفرس بدأت كما هي مع الروم، إلا أن أمر الفرس أهون وأحقر من أمر الروم وخاصه بعد الضربة النووية الامريكية المحدودة المنتظرة لمواقع عسكرية ونووية ايرانية". هذه اللغة تجيء لا لتقلل من الخطر الصفوي أو لتعظم من الخطر الرومي بل لتضعهما في قالب واحد بشرط أن يتنبه المسلمون إلى أن الخطر الحقيقي والمدمر يأتي هذه المرة من الغرب الصليبي. فالمسألة، إذن، لا تتعلق بعملية تأويل تعسفي وإسقاطي، دون تبصر في الأمور، بحيث يبدو"أهل الكتاب"من روم ويهود كما عبر البعض أقرب إلى المؤمنين من عبدة النار المجوس بل بتحديد أولويات الصراع بين"الكفر والإيمان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت