د. أكرم حجازي
صحف - 24/ 6/2008
ما من مراقب أو مناصر للجهاد والمجاهدين إلا وتابع صعود نجم المحاكم الإسلامية في الصومال بسرعة قياسية، وما من أحد من هؤلاء وغيرهم إلا وذهل من سرعة الهزيمة الساحقة التي منيت بها المحاكم إثر تدخل الجيش الأثيوبي في الصومال لإنقاذ الحكومة المحلية التي حوصرت في منطقة بيدوا (baidawa) وسط الصومال. ومن المفارقات أن هذه المنطقة هي الأفقر والأضعف في البلاد، وسكانها هم أشد من ابتلي بالحرب الصومالية بعد انهيار نظام سياد بري سنة 1991. إذ وقعوا ضحية صراع دموي بين قبائل الشمال والجنوب.
في 22 - 6 - 2008 أصدرت مؤسسة السحاب التابعة للقاعدة تسجيلا مصورا للشيخ أبي يحيى الليبي خصصه للصومال، وحمل عنوان:"لا سلام بلا إسلام". وكان الشيخ أسامة بن لادن، من قبله، أول من بادر في الدفاع عن المحاكم في خطاب له دعا فيه الشعب الصومالي إلى الالتفاف حولها مشيرا إلى أن الإسلام هو الوحيد الذي جلب الأمن للصوماليين بعد خمسة عشر عاما من الحروب والمآسي والجوع القاتل لم تفلح أي من القوى الدولية أو الإقليمية بتحقيق الأمن والاستقرار كما أفلح الإسلام بذلك عبر تجربة المحاكم. وما بين الخطابين ظل قادة القاعدة في خطاباتهم يطلون على الوضع الصومالي كما يطلون على الوضع في الشيشان أو الجزائر أو لبنان ... مكتفين بإلقاء التحية والسلام والحث على الجهاد والدعوة إلى نصرة أهله. وعليه فلم يصدر أي خطاب خصص، جزئيا أو كليا، للصومال، بل أن القاعدة أطبقت صمتا تجاه الانهيار المفاجئ للمحاكم فلم تعقب لا سلبا ولا إيجابا.
مثل هذه الوضعية كافية لإثارة التساؤل حول الأسباب التي تدفع بالقاعدة إلى تأييد المحاكم تارة وتجاهلها تارة أخرى ومن ثم التدخل في الشأن الصومالي بصورة حازمة كما ظهر في خطاب الليبي. باختصار؛ ما هي خلفية الخطابين؟ ولماذا بدا الأول (خطاب بن لادن) متساهلا فيما بدا الثاني متشددا؟
بيئة خطاب بن لادن: بين مطرقة الشريعة وسندان الواقع
كانت القاعدة تعلم بتركيبة المحاكم الأيديولوجية والاجتماعية من خلال التيار السلفي الجهادي الذي كان يتحالف معها أو يتوافق معها في رؤيتها العقدية للصراع، لكنها كانت أمام حالة فريدة إذا ما قورنت بباقي ساحات الجهاد. إذ وجدت نفسها بين خيارين أحلاهما حلو: (1) إما تطبيق الشريعة فورا أو (2) إقناع المحاكم بتسليم القيادة للتيار السلفي كضمانة لتطبيقها.
أما المحاكم فكانت تتجه نحو تطبيق الشريعة، ولا شك أن إجماع القوى الإسلامية والاجتماعية على أُمنية الأماني كان مشروعا مغريا للقاعدة، لكنه، في نفس الوقت، إجماع على حالة غير مسبوقة تتميز بصعوبة إخضاعها لمعايير الاختبار التقليدية التي تشترطها القاعدة للتيقن من صدق القوى ومدى ثباتها قبل تبنيها أو