هذه السياسة لوحظت في أعقاب الهجوم على ناقلة النفظ اليابانية في الخليج الذي نفذته كتائب عبد الله عزام في 29/ 6/2010، وقيل بدايةً أن الناقلة تعرضت لحريق قبل أن تعلن اليابان رسميا، بعد أيام، أنها تحقق فيما إذا كانت الناقلة «ربما» تكون قد تعرضت لهجوم إرهابي، ثم في طائرة الشحن الأمريكية التابعة لشركة UPS والتي سقطت بعد إقلاعها من مطار دبي الدولي في 3/ 9/2010، وقيل أيضا أن حريقا اندلع في كابينة القيادة!! وأخيرا في مسألة الطردين اللذين أرسلتهما قاعدة «الجزيرة» جوا إلى معابد يهودية في الولايات المتحدة، ما لبثا أن تحولا إلى طرود اجتاحت العالم والسفارات وأحدثت بلبلة في حركة النقل الجوي.
خلافا لما يشاع عن اختراقات واسعة في صفوف القاعدة فالثابت أنها وكافة تيارات الجهاد العالمي الأقل اختراقا في تاريخ الجماعات المقاتلة. بل أنها وباعتراف الخبراء والمتابعين وحتى السياسيين تمتلك أفضل أجهزة الاستخبارات، وتستعمل أدهى الوسائل المبتكرة. وهذا ثبت في كل ساحة قتالية تواجدت بها القاعدة أو مثيلاتها ممن تعتنق النهج نفسه. ولا شك أن أعتى قوة استخبارية للقاعدة كائنة الآن في العراق. لكن قاعدة «الجزيرة» يصعب مقارنتها بأية شقيقة لها. إذ أن أهدافها غدت بلا حدود سواء داخل اليمن والسعودية أو عبر العالم، ووسائلها مبتكرة بالكامل، وجبهاتها مفتوحة للمفاجآت، وهذا وضع لا يسر أحدا من خصومها.
حين نفذت عمليتها الشهيرة ضد الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية السعودي في 27/ 8/2009 لم يكن من السهولة بمكان استيعاب الحدث. ولولا أنها أصدرت حينها بيانا تبنت فيه المسؤولية، ثم بعد أكثر من شهر تسجيلا صوتيا مع منفذ العملية عبد الله حسن العسيري وهو في ضيافة الأمير! لبقيت الشكوك تغوص عميقا في عقل أي مراقب أو محلل نظرا لفداحة الحدث غير المسبوق! ومع ذلك فقد ظلت الأسئلة مطروحة دون أن تجد لها جوابا من نوع: كيف استطاعت القاعدة الوصول إلى أهم شخصية أمنية في السعودية؟ وكيف يمكن لمثل هذه الشخصية أن تقع في شرك قاتل؟ وفي عقر الدار؟ كيف؟ ما هو الفخ؟ وما هو الطعم؟ ومن هو المنفذ؟ وكيف تمت العملية؟ وما هي آثارها؟ وغير ذلك من الأسئلة.
ظلت الأسئلة بلا إجابات لأكثر من عام، إلى أن بثت مؤسسة الملاحم التابعة لقاعدة «الجزيرة» شريطا مصورا في 4/ 10/ 2010 ضمن سلسلة «فزت ورب الكعبة - 2» . وبكل المعايير؛ كان الشريط فضيحة أمنية من العيار الثقيل، خاصة وهو يروي مراحل الاستطلاع والتنفيذ للعملية من ألفها إلى يائها، ويتحدث عن محاولات اغتيال جرى التخطيط لها في قلب مطار صنعاء. هكذا، وبالمقارنة تكون المخابرات الأمريكية في خوست معذورة أمام الطبيب الأردني همام البلوي الذي ظنوه عميلا لهم حتى قبل لحظات من الفتك بهم، لكن مع الأمير محمد بن نايف فقد استطلعت القاعدة الطريق إليه من اليمن إلى القصر، وحاورته وجالسته ولعلها تمتعت بنكهة الشاي والقهوة الأميرية ثم عادت إليه بنكهة البارود لولا أن حالت أقدار الله بينه وبين الموت.