أو التعرض لها بسوء، بل أن هؤلاء وقعوا في حرج مما راهنوا عليه. ولو فتشنا عن حاله الآن خارج هذه الصفات لما وجدناه يتمتع بشيء يذكر من القوة المادية، فهو الآن بلا مال وربما بلا زوجة وأحد أبنائه أسيرا لدى الإيرانيين ومطارد وقد يكون مريضا فعلامَ يخشاه الناس ويرهبه الأعداء وغيرهم إن لم يكن لتلك الصفات التي يفتقدها عالم اليوم؟
لذا فالأرجح أن يكون الصمت ناجما عن الرهبة لأن التصريح بغير حساب في تناول مواقف بن لادن قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فهو ليس من الشخصيات التي يمكن انتقادها بسهولة (رغم أنه ليس فوق الانتقاد حتى من قبل السلفية الجهادية ذاتها التي تردد أن الحي لا يؤمن عليه من الفتنة) دون أن يكون لذلك تبعات داخل أية جماعة الكثير من أفرادها يكنون الاحترام والمودة للرجل ويعتقدون بصدقه وصدق جهاده حتى لو كانوا يخالفونه المنهج والرأي. وبهذه التوصيف يكون الشيخ أسامة قد أثبت أنه الشخصية الأكثر حظا من أية شخصية أخرى في التعبير عن ضمير الرأي العام الجهادي على مستوى الجماعات الجهادية كافة وعلى مستوى الأنصار وعلى مستوى المجاهدين وعلى مستوى الشخصيات الدينية والفقهية ناهيك عن مكانته لدى عامة الناس ممن لا تهمهم تفصيلات الحياة السياسية وتعقيداتها.
إلا أن الصمت المطبق هذا يمكن قراءته على نحو آخر كأن تكون الجماعات الجهادية بصدد القيام بقراءات للخطاب من جهة ومراجعة مواقفها من جهة أخرى وتقييم سياساتها من جهة ثالثة لاسيما وأنها مدعوة إلى التوحد ومدعوة إلى عام الجماعة. إذ أن الصمت لا يمكن تفسيره فقط بكاريزمية الرجل التي ألقت بظلالها على الجميع بلا استثناء إلا من فتوى الشيخ حامد العلي التي أحسب أنها لن تنال شيء من شخصية الرجل. لذا يمكن التفكير باحتمالين آخرين لتفسير موقف الجماعات الجهادية في العراق:
الأول: أن يكون الصمت مقصودا بذاته ولذاته. ذلك أن بعض الجماعات المخالفة والخصيمة وحتى الحليفة لدولة العراق قد ترى في الصمت ملاذا قويا لها مما لو اتخذت قرارا بالرد قد يعكر صفو انسجامها ويتسبب بتصدعات داخلية في بنائها التنظيمي. فما من ضامن يحول دون الانقسام والتفكك على مستوى القواعد على الأقل حيث يحظى بن لادن على الخصوص باحترام المجاهدين من شتى الأطياف. والمساس بالرجل أو بدعوته قد يفسرها الكثير على أنها خلل في المنهج. وبالتالي فإن أي تعليق سلبي على الخطاب قد يؤدي إلى افتضاح نهج بعض الجماعات وبالتالي تحول الخصومة إلى عداء والشروع في عملية فرز أو ما تسميه السلفية بتمايز الصفوف. لذا فالصمت هو نوع من الهروب من الرد بحيث تبقى الأمور كما هي وبأقل التكاليف.
الثاني: أن تكون الدعوة إلى عام الجماعة قد تسببت بوضع النقاط على الحروف خاصة وأنها وجهت للجميع، وأن الجماعات مدعوة من أكبر رموز الجهاد إلى التوحد، إلا أنه حين استغرق في بيان وجوب التوحد والاعتصام بدا بن لادن واضحا، وهو يشدد على رفض المبررات التي تتمسك بالفرع على حساب الأصل، أنه كان يقصد بذلك جماعة