ثمة نوعين من الحرب الدعوية الشرعية التي تدور رحاها في الجزيرة العربية انطلاقا من اليمن. الأولى هي تلك التي تضطلع بها قاعدة الجزيرة، وتتوجه نحو السعوديين واليمنيين على السواء أكثر مما تتوجه إلى الأمة. ومن أبرز رموز دعاتها إبراهيم الربيش وعادل العباب ومحمد الراشد. وهؤلاء يساندهم سعيد الشهري (أبو سفيان الأزدي) وقاسم الريمي (أبو هريرة الصنعاني) بالإضافة إلى ناصر الوحيشي أمير التنظيم. أما الثانية، وهي الأخطر على الخصوم، فيقودها الشيخ أنور العولقي، وتتوجه نحو الأمة الإسلامية بكل مكوناتها وشرائحها ومكاناتها السياسية والعلمية.
المتتبع لسيرة العولقي ونشاطه الدعوي لا ريب أنه لاحظ أداءه التاريخي البعيد عن أي ارتباط تنظيمي من أي نوع كان. وحتى بعد أن أعلن عداءه للأمركيين، وحرض على قتلهم، ودافع عن الجهاد والمجاهدين، لم يتخلَّ العولقي عن كونه داعية، ولم يعلن أنه من القاعدة، ولم تعلن القاعدة أنه عضو فيها. كل ما في الأمر أنها استأثرت منه بمقابلة حصرية لم تفز بها أية وسيلة إعلامية في الوقت الذي كان فيه على العولقي أن يتحدث، وأعلنت عن استعدادها لتقديم الحماية له بعد أن صار مطلوبا للأمركيين حيا أو ميتا.
السلطات اليمنية تعلم أن الاتهامات الأمريكية الموجهة ضد العولقي لا تستند إلى أية أدلة دامغة بأنه عضو في القاعدة. ولما أجرت معه مؤسسة الملاحم الإعلامية لقاءها الشهير في 23/ 5/2010 قدمته بصريح العبارة باسم: «اللقاء المرئي مع الشيخ الداعية أنور العولقي» . ولما أدرجت الولايات المتحد اسمه على قائمة المستهدفين بالتصفية، بعد إجازة الكونغرس لقتل مواطنين أمريكيين، أصدرت مؤسسة الملاحم بيانا لأمير القاعدة ناصر الوحيشي بعنوان: «نصرة للشيخ أنور العولقي - 16/ 5/2010» واصفا إياه بـ: «الداعية البطل الصادع بالحق» ، ولم يصفه بابن القاعدة ولا بأحد قياداتها أو شيوخها أو مرشديها.
من المعروف أن الأشرطة المرئية التي تبثها المؤسسات الإعلامية للجماعات الجهادية، كـ «الأندلس» والفرقان» و «الملاحم» و «المأسدة» وغيرها تكون عادة موقعة، بدايةً ونهايةً، باسم الجهة الصادرة عنها، وغالبا ما يتم تذييلها بعبارة «مركز الفجر» للدلالة على سلامة الإصدار والجهة التي أصدرته، باعتباره المؤسسة الإعلامية ذات العلامة المميزة. لكن في آخر شريط مرئي للعولقي نشرته الشبكات الجهادية بعنوان: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه - أنور العولقي 8/ 11/2010» ، ظهر فيه العولقي مباشرة دون أن يتضمن أي توقيع لا في البداية ولا في نهاية الشريط! وكل ما تضمنه الشريط في بدايته البسملة، وعنوان الشريط، وصفة صاحبه «الشيخ الداعية» واسمه.
فرادة العولقي وتميزه وقوته كائنة بصفته داعية لا عضوا في القاعدة. هذه هي الكلمة السحرية التي يمكن بها الولوج إلى عقلية العولقي أكثر من ذي قبل. وفي السياق لا بد من ملاحظة أنه ثمة فرق كبير بين من يؤيد