الأنصار ظلوا بانتظار بيان رسمي يتحدث بصريح القول عن الخلافات مع الجماعات الجهادية في العراق خاصة ما يتعلق بالجيش الإسلامي وضرورة الرد على الاتهامات الواردة فيه. وفي السياق ذاته صدرت بيانات من جماعات أخرى تحذر من تصاعد الفتنة بين الجماعات الجهادية كان أبرزها بيان قيادة أنصار السنة، كما تدخلت عديد الشخصيات الجهادية على خط الخلاف في محاولة لمحاصرة الفتنة عبر مداخلات للشيخ عطية الله الليبي والشيخ عطا نجد الراوي والشيخ حامد العلي والنداء العاجل الذي وجهه نخبة من العلماء إلى المجاهدين في العراق بالإضافة إلى الجبهة الإعلامية العالمية ومؤسسة الفرقان وغيرهم.
إذن كان من الضرورة بمكان أن يأتي الرد من شخصية قوية في الدولة، وكان من الطبيعي أن يكون بلسان البغدادي أو المتحدث الرسمي باسم الدولة. وهكذا صدر الخطاب على متن 37 دقيقة من أصل 41.43 دقيقة، مذكرا بـ"حصاد السنين بدولة الموحدين"على امتداد السنوات الأربع من غزو العراق واحتلاله، ولكنه، بحق، كان حصادا إخباريا وتطمينيا مثلما بدا خطاب قوة لدرجة أنه ابتدأ بتكبيرات الفتح مبشرا بمكاسب للأمة وخسائر للأعداء. فأية مكاسب يتحدث عنها البغدادي والمشروع الجهادي بات على المحك؟ وأية مكاسب تنتظرها أمة تعودت على القهر وتجرع الهزائم الواحدة تلو الأخرى؟ وهل فك الخطاب البغدادي طلاسم خطابه السابق؟ ولماذا يصر البعض على وصف الشمري بداعية فتنة حتى بعد صدور الخطاب؟
لقد تحدث الخطاب عن الكثير من المكاسب لأهل السنة ولأهل الجهاد في العراق وللعالم الإسلامي وللدولة بفعل الجهاد كأحد أسس إقامة الدين والتحرر من الاستعباد والظلم، وسنترك تفاصيل المكاسب لمحاولات بحثية قادمة حول مسائل الجهاد العالمي، أما الآن فسنركز على مسائل حيوية جدا أحسب أن أحدا لم يتحدث بها قبل الآن زيادة على أنها المرة الأولى التي نسمع بها. فلماذا يركز البغدادي على مسائل الجهاد والجماعة هذه المرة بطريقة مختلفة وغير مسبوقة في بضعة خطاباته السابقة؟
سنتناول في القسم الأول من المقالة ثلاثة مسائل مركزية هي المجتمع الجهادي ودولة العراق الإسلامية ومصطلح العالمية الذي فاجأنا به الخطاب، أما في القسم الثاني فسنخصصه للتوقف عند مسائل الخلاف مع الجماعات الجهادية خاصة مع كتائب ثورة العشرين والجيش الإسلامي.
تكشف السنوات الأربع، بحسب الخطاب، عن تحول جذري في نمط الحياة الاجتماعية للعراقيين بفعل الجهاد، فالبغدادي يقدم وصفا للمجتمع العراقي الذي بدأت ثقافة الجهاد تغزوه وتتوطن في مختلف نواحي الحياة وعلى مستوى التشكيلات الاجتماعية كافة، ومثل هذه الثقافة لا يمكن أن تجد طريقها إلى الانتشار والتغلغل إلا عبر جانبين أساسين هما: التوحيد والعبادات من جهة وإحياء عقيدة الولاء والبراء من جهة ثانية. فالتوحيد يعني استبعاد الشرك ومظاهره من الحياة الاجتماعية وحلول العبادات محله، وهذه مسألة جوهرية تحيل إلى العقلانية الإسلامية بأقوى صورها كونها ستنتهي إلى رفض التعامل مع كل البدعيات ومظاهر الشرك وستحول دون التحريف والتبديل في الدين وبالتالي إقامة الدين، هذه النتيجة تؤشر بداية على أن