الدين لم يعد من اختصاص كبار السن ولا العلماء والفقهاء ولا المتدينين ولا منتسبي الحركات الإسلامية بل من سمات الحياة الاجتماعية ومن واجبات الفرد ذكرا أو أنثى وصغيرا أو كبيرا.
وبطبيعة الحال سينعكس التوحيد على الناس فيما يتعلق باستجابتهم لشروطه في العبادات والمعاملات كالزكاة والصوم والصلاة والحج والصدق والكفالات والرعاية والأخلاق والآداب العامة .... إلخ ولن نجد حينها مشكلة بفقر المساجد ولا بكنز الأموال بالمليارات دون جدوى تذكر ولا بدور الرذيلة ومسالك الفجور والفسق والعصيان والكذب والنصب والاحتيال، وسيكون من السهل أن نرى"الراعي في قلب الصحراء يفصل من غنيماته زكاة ماله ويعطيها للمجاهدين ليوزعوها في محلها الشرعي ... تدينا منه ومحبة تماما كما يفعل أهل التجارة والزراعة"وليس اعتداء على ممتلكاته أو إكراها له.
أما الأمر الأشد سوء ونذيرا على القوى المعادية فكائن في قضية الولاء والبراء حصرا وتحديدا. فالغالبية الساحقة من الحركات الإسلامية وليس فقط على مستوى الأفراد تقف على أرضية دينية وتباهي بأنها تعمل على إقامة حكم الله في الأرض واستعادة الخلافة ونصرة الدين وخذ من هذه الشعارات ما تشاء وعلى امتداد عقود من الزمن، ولكن أين هي من البراء من الشرك؟ وأين هي من التبعية؟ وأين هي من موالاة الغرب؟ وأين هي من لحظة حق؟ وأين هي من العصبية؟ وأين هي من الكِبر؟ وأين هي من التضليل؟ بل أين هي من الكذب والتحالف مع القوى المعادية للأمة؟ هذه العقيدة هي فعلا منسية بل ومغيبة عن الأمة وعن كل مؤسساتها وأجيالها منذ زمن بعيد جدا، ولما تشيع بين المجاهدين خاصة فمن المؤكد أنها ستقلل من التردد والتراجع والتخاذل والاختراقات والمساومات إن لم تقض عليها كلما تجذرت.
لا شك أن"تدريب جيل كبير من الشباب على عقيدة الولاء والبراء المنسية"، كما يقول الخطاب، وشيوع هذه العقيدة في نفسية الناس بحيث"صرنا اليوم نشهد بأعيننا ونسمع بأذننا عجبا عجاب من أبناء الرافدين رغم الشبهات والشهوات - فهذا أب يقتل ابنه الجاسوس بيده - وهذه عشيرة تتبرأ من ابنها شرطي المالكي. والعجيب الغريب أن امرأة تترك زوجها وتوليه الدبر لأنه ارتد مناصر الدولة المالكي وحزبه"لهو وضع مخيف حقا بالنسبة للقوى الغربية والنظم العلمانية. فانقلاب نمط الحياة الاجتماعية من مجتمع استهلاكي مادي يداخله الشرك من كل ناحية إلى نمط اجتماعي قائم على التوحيد ومحصن قولا وعملا بعقيدة الولاء والبراء سيعني مشكلة بأتم معنى الكلمة، وإذا كانت المشكلة تقع في نطاق الجماعات الجهادية فهي الآن قاب قوسين أو أدنى من وقوعها في صلب المجتمع، وهذه هي الطامة الكبرى للقوى المعادية، ولعل هذه الحقيقة تفسر إلى حد كبير ليس الفتنة ولا حجمها فقط، بل السرعة التي تجري بها وقائع الفتنة، فالقوم يبدو أنهم على عجلة من أمرهم، وتكشف بنفس الوقت أن خيوط الفتنة تستهدف ما هو أبعد من الجماعات الجهادية لتصل إلى إجمالي المجتمع ومعتقداته، وهذا مؤشر حاسم على أن فرضية التفاهم مع الأمريكيين مجرد هراء.